نشر بتاريخ: 2026/05/01 ( آخر تحديث: 2026/05/01 الساعة: 10:53 )
بقلم: د. خالد موسى

الأول من أيار في فلسطين: كرامة العمل في مواجهة معركة الوجود

نشر بتاريخ: 2026/05/01 (آخر تحديث: 2026/05/01 الساعة: 10:53)

الكوفية يأتي الأول من أيار هذا العام، وليس في يد العامل الفلسطيني وردة يحتفل بها، بل جرح مفتوح يختصر حكاية وطن بأكمله. هنا، لا يشبه عيد العمال أي مكان آخر في العالم؛ فهو ليس يومًا للمطالب المعيشية فحسب، بل مناسبة تتجسد فيها معركة الوجود بكل تفاصيلها القاسية.

في فلسطين، لم يعد العمل مجرد وسيلة للعيش، بل صار فعل صمود يومي في وجه واقع يتآكل فيه كل شيء: الاقتصاد، والاستقرار، وحتى الأمل. العامل الفلسطيني اليوم لا يواجه تحديات سوق العمل التقليدية، بل يقف في مواجهة منظومة كاملة من القيود التي تحاصره، وتمنعه من الوصول إلى أبسط حقوقه في الكسب الكريم.

لقد تحوّل المشهد الاقتصادي إلى صورة قاتمة؛ منشآت مدمّرة، فرص عمل تتلاشى، وقطاعات إنتاجية تكاد تختفي. آلاف العمال وجدوا أنفسهم خارج دائرة العمل قسرًا، لا بسبب ضعف الكفاءة أو قلة الجهد، بل نتيجة واقع مفروض يسلبهم حقهم الطبيعي في الحياة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، باتت الأسرة الفلسطينية أسيرة معادلة مستحيلة بين الحاجة والعجز.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز إشكالية غياب منظومة حماية اجتماعية حقيقية، قادرة على احتواء الصدمات المتتالية. فالعامل الذي يفقد عمله، لا يجد شبكة أمان تقيه السقوط في هاوية الفقر، والخريج الذي ينتظر فرصته، يصطدم بجدار من الانسداد الاقتصادي. وهنا، لا يعود الحديث عن تحسين الأجور كافيًا، بل يصبح من الضروري إعادة صياغة العقد الاجتماعي بما يضمن الكرامة الإنسانية قبل أي اعتبار آخر.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه الحركة العمالية اليوم، لا يكمن فقط في الدفاع عن الحقوق، بل في إعادة تعريف دورها كقوة فاعلة في معركة الصمود الوطني. فالنقابات لم تعد مجرد أطر مطلبية، بل باتت مطالبة بأن تكون شريكًا في صياغة السياسات الاقتصادية، وحارسًا للعدالة الاجتماعية في وجه الانهيار.

كما أن المرحلة تفرض ضرورة بناء رؤية اقتصادية وطنية، تستند إلى تعزيز الإنتاج المحلي، ودعم المشاريع الصغيرة، وخلق بدائل حقيقية تقلل من الاعتماد على الخارج. فاستقلال القرار الاقتصادي، ولو نسبيًا، هو أحد أعمدة الصمود، وأحد شروط حماية العامل من التقلبات القاسية.

ولا يمكن إغفال البعد الدولي في هذه المعادلة، حيث يبقى التضامن العمالي العالمي رافعة مهمة لإيصال صوت العمال الفلسطينيين إلى المنابر الدولية. غير أن هذا التضامن، على أهميته، لن يكون بديلًا عن وحدة الصف الداخلي، وتكامل الأدوار بين مختلف مكونات المجتمع.

في الأول من أيار، لا يطلب العامل الفلسطيني امتيازات، بل يتمسك بحقه في الحياة الكريمة. هو لا يبحث عن شعارات، بل عن فرصة حقيقية للعمل، وعن بيئة تحفظ إنسانيته وتصون كرامته. وبين الألم والأمل، يظل هذا العامل شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان الفلسطيني على الصمود، رغم كل ما يحيط به من قسوة.

إنها ليست مناسبة عابرة، بل لحظة وعي جماعي، تعيد التأكيد على أن معركة العمل في فلسطين، هي في جوهرها معركة حرية وكرامة. وأن العامل، وهو يحمل همّ يومه، يحمل في الوقت ذاته مشروع وطن لا ينكسر.