نشر بتاريخ: 2026/09/06 ( آخر تحديث: 2026/09/06 الساعة: 21:53 )

الفرق بين عرفات وعباس

نشر بتاريخ: 2026/09/06 (آخر تحديث: 2026/09/06 الساعة: 21:53)

الكوفية كان ياسر عرفات يعرف قاعدة قديمة في السياسة: ليس مطلوبا أن تحب خصمك، بل أن تعرف ماذا تفعل به. لذلك كان يتعامل مع خصومه داخل فتح والنظام السياسي بعقلية الاحتواء؛ يغضب منهم، يناورهم، يحاصر نفوذهم أحيانا، لكنه يحرص غالبا على ألا يدفعهم إلى خارج الخيمة.

كان أبو عمار يعرف أن من تطرده اليوم قد تجده غدا في خندق خصومك، ولذلك كان يفضل أن يبقى المختلف معه قريبا: يعطيه منصبا، أو مهمة، أو حتى كرسيا يجلس عليه ويشتمه من فوقه. المهم أن يبقى داخل البيت.

لم يكن ذلك ديمقراطية بقدر ما كان دهاء سياسيا.

أما محمود عباس، فقد قلب المعادلة: بدلا من احتواء الخصوم، أصبح النظام بارعا في إنتاجهم. يبدأ الأمر بخلاف في الرأي، ثم يتحول المختلف إلى مشاغب، والمشاغب إلى متمرد، والمتمرد إلى خصم، والخصم إلى شخص ينبغي إبعاده.

محمد دحلان خرج من فتح وأصبح يقود تيارا خاصا به. ناصر القدوة، ابن المؤسسة الفتحاوية والدبلوماسية الفلسطينية، وجد نفسه خارج الحركة بعد خلاف انتخابي. وآخرون تعلموا الدرس مبكرا: تستطيع أن تختلف، بشرط ألا يسمع أحد اختلافك.

الفارق أن عرفات كان يريد خصومه أمام عينيه، بينما عباس يفضل ألا يراهم. عرفات كان يوسع الخيمة كي تتسع لمن يختلفون معه، وعباس يضيقها حتى بات بعض أبنائها يبحثون عن مكان خارجها.

والأكثر مفارقة أن عرفات، في ذروة قوته، كان يتحمل معارضين أشداء، بينما أصبحت المعارضة في زمن الضعف تهمة ثقيلة.

عرفات كان يعرف أن فتح ليست جوقة موسيقية يشترط أن يعزف جميع أفرادها النغمة نفسها. كانت الحركة في عهده تعج بالخلافات والتيارات والمراكز المتنافسة، وأحيانا بالمؤامرات الصغيرة والكبيرة، لكنه كان ماهرا في تدوير الزوايا وإعادة الغاضبين إلى الطاولة.

أما في عهد عباس، فقد أصبحت الطاولة أصغر، والكراسي أقل، والباب أقرب.

وهكذا يمكن اختصار الفارق بين الرجلين بجملة واحدة:

عرفات كان يصنع من خصومه شركاء عند الضرورة، أما عباس فقد نجح أحيانا في صناعة خصوم من شركائه.

وهذه ليست مجرد مقارنة بين شخصيتين، بل بين مدرستين في الحكم: مدرسة ترى أن قوة الزعيم في قدرته على استيعاب المختلفين، ومدرسة تتصور أن القوة تبدأ عندما يصمت المختلفون.

لكن التاريخ السياسي يعلمنا شيئا آخر: البيت لا يصبح أقوى كلما طردنا منه المختلفين؛ قد يصبح فقط أكثر هدوءا... وأكثر فراغا.