جرس إنذار في فتح: استقالة ناصر عطا الله تطرح سؤال الكفاءة والوفاء
جرس إنذار في فتح: استقالة ناصر عطا الله تطرح سؤال الكفاءة والوفاء
الكوفية لم تكن استقالة الشاعر ناصر عطا الله من الأمانة العامة للاتحاد العام للكتّاب والأدباء حدثًا عابرًا في سياق العمل التنظيمي، بل جاءت كصرخةٍ أدبية وسياسية في آنٍ معًا، تختزل وجع أربعة عقود من العطاء المتواصل داخل حركة فتح، انتهت بمشهدٍ قاسٍ: قائدٌ ثقافي ومناضلٌ قديم يجد نفسه خارج قائمة عضوية المؤتمر الثامن.
أربعون عامًا من العمل التنظيمي والوفاء لم تشفع للرجل، الذي قدّم استقالته بلغةٍ راقية، تحمل في طياتها أدب الشاعر ومرارة المُقصى. لم يرفع صوته بالصخب، بل كتب وجعه بنبرةٍ أخلاقية عالية، تُدين الواقع دون أن تنحدر إلى الإساءة، وتُحمّل المسؤولية دون أن تقطع خيط الانتماء.
في نص استقالته، يظهر عطا الله مطمئن الضمير، مستندًا إلى سجلٍ حافل من العمل الإعلامي والثقافي، سواء في الاتحاد العام للكتّاب أو في مفوضية الإعلام بحركة فتح. غير أن هذا التاريخ لم يكن كافيًا لحماية حقه الطبيعي في التمثيل داخل المؤتمر العام، وهو ما شكّل لحظة مفصلية دفعته لاتخاذ قراره بالانسحاب.
القضية هنا تتجاوز شخص ناصر عطا الله، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لحركة تحرر وطني أن تستمر في تجاهل كفاءاتها وإقصاء رموزها الفكرية دون أن تدفع ثمن ذلك من وحدتها وقوتها؟ إن الإقصاء، حين يتحول إلى نهج، لا يُضعف الأفراد بقدر ما يُرهق البنية التنظيمية ويُفقدها توازنها.
ما جرى ليس معزولًا عن سياق أوسع من التراكمات، بدأت بإقصاءات سابقة، وامتدت عبر سنوات الانقسام، لتُنتج حالة من الاحتقان الصامت داخل أطر الحركة. واليوم، مع تزايد الاستقالات والاعتراضات، يبدو أن الأزمة لم تعد قابلة للتجاهل أو الترحيل.
استقالة عطا الله لا تخدم الحركة بقدر ما تكشف خللًا عميقًا في آليات التقدير والتقييم. فحين يُهمّش المبدع، ويُستبعد صاحب التجربة، فإن الرسالة التي تصل إلى القاعدة التنظيمية هي أن العطاء لا يضمن الاعتراف، وأن الانتماء قد لا يُكافأ.
ومع ذلك، حافظ الشاعر في استقالته على خيطٍ رفيع من الوفاء، فأنصف القيادة العليا، وأكد تمسكه بانتمائه لفتح، مستحضرًا إرث القادة المؤسسين الذين جسّدوا مفهوم “الأب القائد” في أحلك الظروف. هذه الروح، التي تجمع بين العتب والانتماء، تُشكّل في حد ذاتها دعوة صادقة للمراجعة لا للقطيعة.
إن ما تحتاجه حركة فتح اليوم ليس مجرد احتواء حالة فردية، بل وقفة تنظيمية شجاعة تعيد الاعتبار للكفاءات، وتُرسّخ مبدأ العدالة الداخلية، وتُغلق أبواب الإقصاء التي تُهدد بتفكيك النسيج الحركي.
فهل تتحول هذه الاستقالة إلى جرس إنذار يُوقظ الضمير التنظيمي؟ أم تُضاف إلى قائمة الخسارات الصامتة التي تنزف منها الحركة دون أن تلتفت؟
الجواب لم يعد ترفًا، بل ضرورة وطنية وتنظيمية ملحّة.