لحظات فارقة وحاسمة وحسّاسة في هذه الحرب!
عبد المجيد سويلم
لحظات فارقة وحاسمة وحسّاسة في هذه الحرب!
هذه اللحظات هي فعلاً كذلك ليس بسبب طابعها الميداني فقط، وإنما بسبب كونها فاصلة وفارقة وحسّاسة في تحديد مسار هذه الحرب، ووجهتها وحتى نتائجها.
ليست هي اللحظات الأخيرة بعد، بل يمكن أن تكون بداية جديدة ميدانياً وسياسياً إذا لم تتراجع أميركا ودولة الاحتلال، وإذا لم يتمّ كبح جماح ترامب ونتنياهو.
وهنا، وهنا بالذات تكمن الأزمة.
هذه الحرب لا تخوضها «الدولة» الأميركية، بل ولا حتى «الدولة» في إسرائيل.
هذه حرب تخوضها الإدارة الأميركية، وتخوضها حكومة التطرّف العنصرية الإسرائيلية.
ومهما كان الفارق هشّاً بين الدولة والحكومة في الحالتين فإن ثمّة فجوة لا يمكن تجاهلها ما بين هاتين الحالتين.
بدأنا الآن نلمس هذا الفارق في الاحتجاجات العارمة، والتظاهرات المليونية في أميركا، وفي بدايات حراك شعبي إسرائيلي ناتج أساساً عن إخفاقات جيش الاحتلال في جنوب لبنان، وعن الضغط الهائل الذي باتت تحدثه الصواريخ الإيرانية بعد مضيّ أكثر من شهر كامل عليها، بعد أن ادّعت حكومة الاحتلال أنها قد دمّرت أكثر من 95% من منظومات الصواريخ الإيرانية، وبحيث شلّت هذه الأخيرة كافة مناحي الحياة، وباتت دون أي أفق حاسم، وتحوّلت إلى كوابيس تقضّ مضاجع ملايين الإسرائيليين.
لكن كل هذا لن يجدي نفعاً على المدى المباشر، والتفاعل الحاسم في تحوّل هذه التظاهرات والاحتجاجات إلى فعل سياسي يغيّر في مسار هذه الحرب، وفي وجهتها يحتاج إلى عامل زمني قد لا يكون كافياً لكبح جماح حالة الهياج التوحشي عند الرجلين، وعند الحكومتين، ما يجعل هذه اللحظات من الحرب هي لحظات الخطر الأكبر على مسارها.
هذه الحرب حوّلتها حكومة «اليمين» العنصري المتطرّف إلى حرب «وجودية» فاصلة ومصيرية، وكذلك فعلت إدارة ترامب عندما انخرطت فيها بكل ما أُوتيت من قوة وتوحُّش، ومن استهتار وخُبث وخداع، وتجاوزت من خلالها كل الحدود والقيود، دون أن تكون هذه الحرب ضرورية أو مصيرية، وكان بالإمكان تفاديها، بعد أن قدمت إيران تنازلات سخيّة في مجال برنامجها النووي، وأبدت استعدادات واسعة لوضع أيّ ضمانات، والقبول بكل متطلّبات بقاء هذا البرنامج سلمياً وشفّافاً، وتحت الرقابة الصارمة للوكالة الدولية للطاقة النووية.
الإدارتان عن وعي وسابق ترصّد انتقلتا بالتوتر الذي كان يسود الإقليم من التهدئة الممكنة إلى التفجير الشامل بذريعة التهديد «الوجودي» ليس بسبب التهديد النووي، وإنّما بسبب البرنامج الصاروخي الذي قالت الولايات المتحدة في سياق تبريرها للوقف المفاجئ لإطلاق النار في حرب الـ 12 يوماً آنذاك إنه قد دمّر، ولم يعد يشكّل أي تهديد من أي نوع كان!
عندما كنّا نقول إن هذه الحرب إن تم تفجيرها من قبل الثنائي الشرّير والمتغطرس فسيكون هذا التفجير بسبب الفشل الأمروإسرائيلي في حسم أي من ملفات الإقليم، وأن توقّف الحرب على اليمن بعد إذلال البحرية الأميركية، وتوقف الحرب على غزّة في جانبها الإبادي المباشر بعد الفشل في استكمالها، وتوقف الحرب العدوانية في لبنان بسبب الفشل الإسرائيلي في تحقيق إنجازات إستراتيجية في لبنان.. عندما كنا نقول ذلك، كما غيرنا، وكما أثبت الواقع الذي تدور أحداثه الآن، كان البعض يرى في تلك الاستنتاجات مجرّد أحلام وتمنّيات ليكتشف هذا البعض الآن أن ذلك الفشل الأميركي، وذلك الإخفاق الإسرائيلي كان هو السبب الأساس في انفجار هذه الحرب، وما زال هو السبب الرئيس في استمرارها، وسيظل العقبة الأولى أمام إمكانية توقفها ما دامت الملفات كلها ما زالت عالقة هناك، وما دامت هذه الملفات هي السيف المسلّط على رأس ترامب وعلى رأس نتنياهو، اللذين يعرفان حق المعرفة أن عدم حسمها هو عنوان سقوطهما معاً.
وعندما تم الاتفاق على هذه الحرب بين ترامب ونتنياهو في الزيارة الأخيرة والشهيرة جرى توسيع نطاقها لتشمل كل ما من شأنه سيطرة أميركا على غرب آسيا، بحيث تستعيد هيمنتها على الإقليم، وبحيث تتحوّل هذه الاستعادة إلى مفتاح مباشر لتطويق التجارة الصينية، وإيقاف سلاسلها من حيث «طريق الحرير»، ومن حيث مصادر الطاقة، كما تشتمل على تأمين كل متطلّبات «الشرق الأوسط الجديد» بمفهوم نتنياهو، وضمان إقامة دولة الاحتلال الكبرى أمنياً وجغرافياً حسب الإمكانيات المتاحة.
أقصد أن الحديث عن جرّ أميركا إلى هذه الحرب بسبب امتلاك إسرائيل لأوراق ضغط وابتزاز على الإدارة الأميركية هو حديث ممكن، ووارد، وربما صحيح، أيضاً، ولكنه حديث يأتي في إطار مساند أو مساعد، من حيث التوقيت والأدوات، ولكنه ليس دقيقاً، ولا صحيحاً إذا تمّ اعتباره سبب الحرب، أو الهدف منها، لأن الهيمنة الأميركية على مصادر الطاقة في غرب آسيا، وكبح التفوق الاقتصادي المتسارع للصين، وإعادة «التحرّش» بالدولة الروسية، وإقامة وبناء تحالف جديد للإمساك بالحلقة الآسيوية كلّها، وفرض الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على إقليم الشرق الأوسط، هو سبب الحرب، وهو هدفها وغاياتها المباشرة والبعيدة.
وما أن تعثّر مشروع العدوان مع نهاية الأسبوع لهذه الحرب، وتعمّق هذا التعثّر ليتحوّل إلى أولى علائم الفشل والإخفاق حتى ارتبكت القيادتان الأمروإسرائيلية، وبدأت تتغيّر الأهداف، و»تتواضع» الطموحات، وتحوّلت مطالب «استسلام النظام الإيراني دون قيد ولا شرط» إلى فتح مضيق هرمز، وإلى مطالب هي في الواقع خارج نطاق أي أهداف لهذه الحرب العدوانية، ولأن شيئاً واحداً لم يتحقّق منها، وأصبح استجداء وقفها ماثلاً للعيان، إذا استثنينا خزعبلات ترامب، بدليل أن الجانب الإسرائيلي بدأ «يُطمئن» جمهوره بأن ترامب «سيأخذ بعين الاعتبار» المصالح الحيوية للدولة الصهيونية».. إذا استثنينا ذلك تصبح الصورة واضحة.
باختصار وصلنا الآن إلى المفترق الفاصل في هذه الحرب، لأن التفوق الجوّي الأمروإسرائيلي بقدر ما يلحق أضراراً بالغة بالبنية العسكرية والمادية الإيرانية، إلّا أن إيران ما زالت قادرة، ويبدو أنها ستكون أكثر قدرة في الأيام القادمة على إلحاق الأضرار الكبيرة بالبنية العسكرية والتحتية الإسرائيلية، وكذلك بالبنية اللوجستية الأميركية في كل منطقة الخليج العربي، وحتى خارج الخليج، والأمور قابلة للانفجار على مستوى مصادر الطاقة في كامل الإقليم.
وعند هذه الحدود لم يُحسم شيء واحد جوهري، وصعوبات الحرب على أميركا والدولة العبرية لا تقلّ أبداً، وبالمطلق عن الصعوبات الإيرانية مع فارق لصالح إيران، وهو الاستعداد لخوض هذه الحرب بأطول نفس، ليس بهدف الانتصار الحاسم، وإنّما لتحويل أي انتصار حاسم لأميركا مستحيلاً.
وفي هذه الحالة فإن مهمة إيران ممكنة، وقابلة للتحقيق، في حين المهمة الأمروإسرائيلية أصعب بما لا يقاس لأن سردية حربهما قد انهارت تماماً.
إذا تورّط ترامب في عملية عسكرية برّية، مهما كانت هوليوودية، فإن أحداً في هذا العالم لا يمكنه ضمان عدم تحويلها إلى تدخل برّي كبير، وإلى حرب ستمتدّ لسنوات، وهي حرب إن انزلقت إليها إدارة ترامب ستطيح به، وستطيح بكل خطط الهيمنة الأميركية، وستضع دولة الاحتلال في أتون حرب لا يمكن تحمّلها، أو الاستمرار بها.
ولذلك كلّه على ترامب قبل أن ينزلق أن يراجع مع إدارته المخاطر التي ستترتّب على قراراته المجنونة، وإيران ليست بوارد أن تقدم له خشبة الخلاص، وعليه أن يجدها بنفسه.