الحرب على سرائر الأطفال… وصمتٌ عربي أثقل من الركام
الحرب على سرائر الأطفال… وصمتٌ عربي أثقل من الركام
الكوفية
ليست المأساة في عدد الصواريخ، بل في عدد الأسرّة الصغيرة التي تبقى فارغة. في إيران، في فلسطين، في العراق، وفي أكثر من بقعة عربية، يتكرر المشهد ذاته: طفل يُنتشل من تحت الركام، أمّ تبحث عن ملامح وجهٍ غاب، وأب يقف عاجزًا أمام سؤالٍ أكبر من السياسة وأقسى من الحرب.
الأطفال ليسوا أرقامًا في بيانات عسكرية، ولا خسائر جانبية في تقارير رسمية. هم معيار الأخلاق في زمن الانفلات، والمرآة التي تكشف حقيقة كل خطاب. حين يُقتل طفل، تسقط كل الذرائع، ويصبح الصمت شريكًا في الجريمة.
في فلسطين تتراكم مشاهد الألم منذ عقود، وفي العراق ما زالت الحروب القديمة تُنجب أوجاعًا جديدة، وفي إيران تتقدّم الضربات العسكرية على حساب الطفولة، كما في غيرها من ساحات الشرق الأوسط. الجغرافيا تختلف، لكن المشهد واحد: دمٌ صغير يختصر عجز العالم كله.
المفارقة أن الشارع الأمريكي أظهر حساسية متزايدة تجاه صور الأطفال القتلى، وارتفعت أصوات ترفض أن تكون الحروب عنوانًا جديدًا للسياسة. هناك من عبّر صراحة عن رفضه لمشاهد قتل الأطفال، معتبرًا أن دم الأبرياء لا يمكن أن يكون مبررًا لأي مشروع سياسي. تحرّكت قطاعات من المجتمع بدافع أخلاقي، حتى من داخل التيارات المحافظة.
فأين الشعوب العربية؟
أين الغضب الذي يملأ الساحات؟
أين الصوت الذي يقول إن دم الطفل العربي ليس تفصيلًا في صراع دولي؟
أطفال فلسطين، والإمارات، والكويت، والسعودية، وإيران… أليسوا جميعًا أبناء حياةٍ واحدة تستحق أن تُصان؟ ويتلاشى غبار الحرب الدولية بضجيجه المخيف وأضوائه التي تخطف القلوب قبل الأبصار.
العتب هنا ليس على الشعوب وحدها، بل على حالة عامة من الإنهاك والتطبيع مع الألم. بعض العواصم العربية فتحت أجواءها وفضاءاتها لتحالفات تزيد اشتعال المنطقة، وكأن النار لن تمتد، وكأن الحرب يمكن أن تبقى بعيدة. لكن التاريخ لا يرحم الغافلين.
نحن نعرف الحكاية جيدًا.
حكاية الثيران الثلاثة حين تفرّقوا، فأُكل الأبيض أولًا، ثم جاء الدور على البقية. قالها الأخير وهو يُساق إلى مصيره: “أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض.”
واليوم نعيد الجملة نفسها بصيغة أكثر قسوة:
أُكلنا يوم صمتنا على دمِ أطفالِ غيرنا.
حين نسكت على طفلٍ يُقتل في بلدٍ مجاور، أو نبرّر الحرب لأنها لا تدور في سمائنا بعد، فإننا نكتب مصيرنا بأيدينا. الدور علينا… ليس لأننا مستهدفون فقط، بل لأننا صامتون.
الطفل في طهران يشبه الطفل في غزة وبغداد وصنعاء ودمشق. الخوف واحد، والدمعة واحدة، والمستقبل المهدد واحد. ومن يظن أن الحريق سيتوقف عند حدودٍ رسمتها السياسة، لم يتعلّم شيئًا من دروس المنطقة.
الحروب لا تُقام في غرف مغلقة فقط، بل تُقام على سرائر الأطفال.
والصمت العربي، إن طال، سيصبح شاهد إدانة لا يقلّ ثقلًا عن الركام نفسه.
فهل نستيقظ قبل أن يُعاد المشهد؟
أم ننتظر سريرًا فارغًا جديدًا… لنعترف متأخرين أننا أُكلنا يوم صمتنا؟