بعوضة وبقابيق نسائية كسرت جبروت النمرود في العالم
بقلم: شريف الهركلي
بعوضة وبقابيق نسائية كسرت جبروت النمرود في العالم
الكوفية القوة حين تنفصل عن العدالة لا تعود قوة، بل تتحول إلى مهزلة مؤجلة السقوط. وحين تُمنح الحصانات للأقوياء ويُدفن الضعفاء تحت ركام الصمت، فهذا ليس نظامًا عالميًا، بل هندسة خوف متقنة تُدار فيها البشرية بميزانٍ مختلّ.
الطغاة لا يخافون غضب الشعوب، ولا المقالات، ولا أرقام الضحايا؛ إنهم يخافون سقوط الهيبة، اللحظة التي ينكسر فيها الرمز ويُسحب عنه وهج القداسة.
هل تأتي البعوضة لتكتب الخلاص فينتهي الوهم العالمي؟
هل تسقط إمبراطوريات الظلم؟
ربما يبدأ السقوط دائمًا من شيءٍ صغيرٍ احتقره الطغاة.
النمرود لم يسقط بجيشٍ جرّار، بل بتفصيلٍ لا يُرى. انتفخ حتى ظنّ أن السماء سقفٌ لقصره، وأن الحياة خُلقت لتكون صدىً لصوته. عاش أسير وهمه حتى جاءت بعوضة لتفضح هشاشته، وتعلن أن الجبروت الذي لا يستند إلى عدلٍ ليس سوى قشرة تنتظر ثقبًا صغيرًا.
وفي فصلٍ ساخرٍ من فصول التاريخ، انتهت أسطورة كانت ترعب الملايين ببعوضة، وبقابيق خشبية نسائية تدوس الرمز بعد أن كان الناس لا يجرؤون على رفع أبصارهم إليه. هكذا يتحول الطغيان من عقيدة خوف إلى مادة سخرية.
ليست الحكاية أسطورة عابرة، بل سنّة تتكرر: كل سلطة تنفصل عن العدالة تبدأ بالتآكل من داخلها. الثروة لا تحمي صاحبها إن تجرد من الحق، والجيش لا يحمي عرشًا فقد معناه. الطغيان، مهما طال أمده، يحمل في داخله بذرة سقوطه.
قارون لم تحمه خزائنه ولا مفاتيحها الثقيلة، وفرعون لم ينقذه جيشه ولا عرشه. وكل طغيان بُني على الخوف سينتهي به.
اليوم يُعاد إنتاج النمرود على نطاقٍ عالمي، بوجوهٍ حديثة وأسماء مختلفة، ترتدي ثوب الأناقة وتدّعي الحضارة. دول عظمى وخطابات مصقولة ترفع شعارات القيم وهي تصنع المقابر وتدفن العدالة تحت لافتات القانون. أنظمة تتغنى بالأمن وهي تكدّس الأسلحة؛ صواريخ عابرة للقارات، وبوارج، وطائرات، وتحالفات تُسوَّق باسم الاستقرار، فيما يُختزل الإنسان إلى رقمٍ عابر في تقرير.
العدالة لم تعد عمياء، بل انتقائية؛ قاسية على الضعيف، مرِنة أمام القوي. توقّع أحكام الإدانة ببرود، وتخفض سيفها حين يقترب من أصحاب النفوذ. تُدان الضحية إن طالبت بحقها، وتُبرَّر الجريمة إن لبست ثوب القوة.
ومع ذلك، لا يخدع التاريخ طويلًا. ميزانه بسيط: حين يتحول الخوف إلى سخرية، تسقط الهيبة. فإذا داس الناس قدسية الرمز، انهارت السلطة معنويًا قبل أن تسقط سياسيًا. العروش الواهية لا تحتاج إعصارًا، بل لحظة انكشاف.
هل تأتي العدالة السماوية فجأة؟
هل يكون العقاب ببعوضة لا تساوي شيئًا في ميزان القوة، ثم يلتقي بالعقاب البشري حين ينهض المقهورون ببقابيقهم الرمزية فيضربون أوهام العظمة حتى تتشقق؟
العروش الواهية لا تحتاج زلزالًا، بل وعيًا.
لا تحتاج جيشًا جرارًا، بل شرارة كرامة.
النمرود يتكرر في كل زمان، لكن نهايته تتكرر أيضًا. وصراع القوة والهيمنة لن ينتهي بصاروخٍ أكبر، بل بضميرٍ يستيقظ.
حين يسقط الوهم، يتحرر الفقراء والدراويش من رهبة الطغاة، ويكتشف العالم أن العدالة، وإن تأخرت، لا تموت. وأن العروش التي تُبنى فوق الألم، تسقط دائمًا… بأبسط مما يتخيّل الطغاة.