نشر بتاريخ: 2026/02/13 ( آخر تحديث: 2026/02/13 الساعة: 14:06 )
بقلم: شريف الهركلي

مصر تُفشل مشروع التهجير… وتضع الاحتلال أمام جدار الرفض

نشر بتاريخ: 2026/02/13 (آخر تحديث: 2026/02/13 الساعة: 14:06)

الكوفية في حربٍ مجنونةٍ فقدت كل معاني العقل، دُفع الشعب الفلسطيني قسرًا من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، ثم حُشر في بقعةٍ جغرافية خانقة بمنطقة المواصي على شاطئ البحر، في محاولةٍ مكشوفة لإعادة إنتاج النكبة بأدواتٍ حديثة، وتحت غطاءٍ سياسيٍّ صامت

لم يكن هذا نزوحًا عابرًا فرضته ظروف الحرب، بل سياسة اقتلاعٍ ممنهجة، راهن الاحتلال من خلالها على إنهاك الفلسطيني، وكسر إرادته، ودفعه إلى القبول بالهجرة بوصفها «حلًا أخيرًا» للتخلّص من ضوضاء الحرب وعبء الصمود.

غير أنّ هذا الرهان سقط عند أول اختبارٍ حقيقي.

مصر… قلب الأمة العربية النابض، التي تدرك إيقاع الأمن القومي وتعي خطورة العبث بالجغرافيا، قالت كلمتها بوضوحٍ لا يقبل التأويل:

لا للتهجير، لا لتفريغ الأرض من أهلها، ولا لتحويل غزة إلى مجرّد ملفٍّ إنسانيٍّ منزوع السياسة.

فبادرت، بثقلها الإقليمي وموقعها التاريخي، إلى تسهيل عودة النازحين من جنوب القطاع إلى شماله الصامد، في خطوةٍ كسرت منطق الاحتلال، وأسقطت وهم «الترانسفير الناعم» الذي حاول تمريره تحت عناوين الإغاثة والحماية المؤقتة.

الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يُرسل رسائل رمزية، بل ثبّت معادلةً سياسيةً حاسمة:

أن حدود مصر ليست ممرًا للنكبات، وأن الأمن القومي المصري يبدأ من منع تهجير الفلسطيني، لأن التهجير ذاته ليس سوى حلمٍ إسرائيليٍّ محفوفٍ بالسراب.

الدور المصري… سياسة على الأرض لا بيانات

لم تكن التحركات المصرية مجرّد وساطةٍ دبلوماسية، بل ممارسة سياسية فعلية تُرجمت إلى أفعالٍ ملموسة، تمثّلت في:

تقديم دعمٍ إغاثيٍّ شامل برًا وبحرًا وجوًا، في وقتٍ تخلّى فيه كثيرون عن مسؤولياتهم.

فتح المستشفيات المصرية أمام الجرحى والمرضى الفلسطينيين، حين أُغلقت الأبواب الدولية.

إغلاق الحدود بإحكام في وجه أي سيناريو تهجيري، رغم الضغوط السياسية والإغراءات.

إعادة النازحين من جنوب القطاع إلى شماله، لتثبيت الإنسان في أرضه وكسر منطق الإفراغ السكاني.

الحضور القوي في مختلف جولات التفاوض، بوصفها طرفًا ضامنًا، لا شاهد زور.

غير أنّ هذا الدور الصلب يضع الفلسطينيين أمام أسئلةٍ مؤجَّلة لا يمكن الهروب منها:

هل نُحسن استثمار هذا الموقف المصري الثابت؟

أم نُبدّده في خلافاتٍ داخلية وصراعاتٍ فصائلية تُدار بعقلية الغلبة لا الشراكة؟

وهل يُعقل أن يُصادَر قرار شعبٍ كامل لصالح قياداتٍ أنهكتها الشعارات وأفرغتها السنوات؟

الأسئلة واضحة، لكن الإجابات ما تزال غائبة.

فالصوت الذي لا يُرضي يُخنق، والاختلاف يُصنَّف خيانة، والخوف حوّل كثيرين إلى جمهورٍ صامت، يُصفّق للخراب، ثم يتساءل عن أسبابه.

مصر لم تحمِ غزة فقط… بل كشفت الزيف

ما فعلته مصر تجاوز الدعم والوساطة إلى حماية جوهر القضية الفلسطينية.

فهي لم تمنع التهجير فحسب، بل أسقطت الرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير الفلسطيني كلاجئٍ قابلٍ للترحيل، لا كشعبٍ صاحب أرضٍ وحق.

شكرًا لمصر، قيادةً وشعبًا، لأنها وقفت حيث يجب أن يقف أصحاب الضمير، لا حيث تقف الحسابات الباردة.

شكرًا لمصر التي كانت جدار الصدّ الأخير أمام نكبةٍ جديدة، وصمّام أمانٍ في وجه العبث بمصير شعبٍ بأكمله.

فلسطين ليست ملفًا إنسانيًا…

فلسطين قضية تحرّر ووجود،

ومصر اختارت أن تكون في صفّ الوجود، لا في هوامش التاريخ.