«رحلتَ جسدًا… وبقيتَ وطنًا لا يغيب»
بقلم: شريف الهركلي
«رحلتَ جسدًا… وبقيتَ وطنًا لا يغيب»
الكوفية رحل محمود حسين أبو خليل جسدًا، لكن روحه لم تعرف الغياب، ظلّت تحلّق في الأروقة التنظيمية، وفي الساحات التي شهدت صوته وموقفه، وفي القلوب التي تعلّمت منه معنى الانتماء والوفاء. لم تكن ذكراه محطة عابرة في الذاكرة، بل ناقوسًا دائمًا يوقظ الضمير، ويعيد التذكير بأن القادة الحقيقيين لا يُقاسون بطول المناصب، بل بعمق الأثر وصدق الحضور.
كان من أولئك الذين خرجوا من القاعدة وبقوا فيها، لم تعزله المواقع عن الناس، ولم تحجبه المسؤوليات عن أبنائه وإخوته في حركة فتح. عرفته الخلايا التنظيمية قبل المنابر، وعرفته الاجتماعات قبل الأضواء، قائدًا وطنيًا بكاريزما هادئة، وحضور يفرض الاحترام دون صخب، ورؤية تؤمن بأن التنظيم يُبنى بالثقة لا بالأوامر.
في زمن المطاردة، كان في مقدمة الصفوف، وفي الانتفاضة الأولى حمل راية صقور فتح، قائدًا ميدانيًا لا يساوم على الثوابت، وأحد المؤسسين الأوائل لكتائب شهداء الأقصى، قريبًا من الأذرع العسكرية، صمّام أمان للحالات الثورية، يوازن بين الفعل الثوري والمسؤولية الوطنية، ويؤمن أن البندقية حين لا يحرسها الوعي قد تنقلب على أصحابها.
وحين اختار درب الإصلاح، كان من القادة المؤسسين في تيار الإصلاح الديمقراطي داخل حركة فتح، منحازًا لفكرة تصويب المسار لا كسر الحركة، ومؤمنًا بأن فتح أكبر من الأشخاص، وأبقى من الخلافات، وأن وحدتها هي شرط بقائها عنوانًا للمشروع الوطني الفلسطيني.

لم يكن قائدًا تنظيميًا فقط، بل إنسانًا قريبًا من القلوب، ودودًا، متواضعًا، يسأل عن الناس أكثر مما يُسأل عنه. نشأ يتيم الأب، فصاغته اليُتم إنسانًا حساسًا لوجع الآخرين، قريبًا من الشباب، حاضرًا بينهم، يستمع قبل أن يتكلم، ويحتوي قبل أن يحاسب، فكان محبوبًا لأن محبته كانت صادقة وغير مشروطة.
حين اشتدّت المطاردة، خرج مُهرّبًا عبر الحدود إلى ليبيا، حاملًا الوطن في قلبه لا في حقيبته، وحين عاد مع عودة السلطة الوطنية الفلسطينية، عاد كما غادر: ثابتًا على قناعاته، وفيًّا لتاريخه، مؤمنًا بأن الوطن لا يُغادر مهما ابتعد الجسد عنه.
تولى أمانة سر إقليم حركة فتح في رفح، فكان الموقع تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا امتيازًا، ترك بصمته في التنظيم، وبقي صدى صوته حيًا في الاجتماعات، وفي المواقف الصعبة، وفي كل قرار يحتاج إلى حكمة قائد يعرف متى يتقدم ومتى يحمي الصف.
رحل الجسد، لكن الروح بقيت تحرس المكان، وتهمس في آذان رفاقه: أن لا تفرّطوا بما استودعكم التاريخ، وأن تظل فتح وفية لشهدائها، قريبة من ناسها، صلبة في وجه الاحتلال، رحيمة بأبنائها.
عهدًا أبا خليل، سنكمل المشوار الذي بدأته، كأنك بيننا لم تغب، حاضر في الذاكرة الفلسطينية التي لا تنسى قادتها، ولا تخون دماء من عاشوا ثائرين ورحلوا أوفياء.
سلامٌ على روحك يوم ولدت مناضلًا، ويوم عشت قائدًا، ويوم ارتقيت شاهدًا على زمنٍ لا يزال يحتاج أمثالك…
لروحك السلام يا سيد الثوّار