غزة تُفرَّغ بلا قرار.. التهجير الناعم كأخطر أسلحة الحرب
بقلم: شريف الهركلي
غزة تُفرَّغ بلا قرار.. التهجير الناعم كأخطر أسلحة الحرب
الكوفية في الحرب، يضيع كل ما هو جميل في حياة شعبنا الفلسطيني.
البيوت التي احتضنت الذكريات تتحول إلى ركامٍ رمادي، والخيام البيضاء، التي تشبه الأكفان، تصبح مأوى مؤقتًا لأجسادٍ ترتعش من بردٍ ينخر العظام، وجلودٍ تحترق بنارٍ مجنونة لا ترحم.
وفيما يغرقنا الإسلام السياسي بخطاباتٍ حماسية، ويرفع الأكفّ بالدعاء:
«يا نار، كوني بردًا وسلامًا على شعبنا الفلسطيني»،
يبقى الواقع أشدّ قسوة من كل الخطب، وأصدق من كل الشعارات.
الرحيل لم يعد خيارًا، بل حلمًا يراود الرجال والنساء وحتى الأطفال؛ هروبًا من جحيم الحرب، لا بحثًا عن رفاه. ذنبهم الوحيد أنهم وُلدوا على هذه الأرض، في زمن صراعٍ لا ينتهي.
في الماضي، كان جهاز “الترانسفير” التابع للشاباك الإسرائيلي يعمل بميزانياتٍ ضخمة لترحيل الفلسطينيين، مستخدمًا الإغراءات المالية والمعنوية.
أما اليوم، فنحن من ندفع الأموال لشركات السفر، ونلهث خلف المعابر، ونقدّم للاحتلال خدمة مجانية: هجرة ناعمة، يومية، صامتة، من غزة… طائراتُ ترحيلٍ مغلّفة بالخوف واليأس.
لم يتبقَّ للشعب في غزة سوى الفقد.
قراصنة وتجار أزمات يسهّلون الجوازات وإجراءات السفر، بينما يواصل الإسلام السياسي التمسك بالدعاء وشعارات “الثبات على الثغور”، وتُسجّل المقاومة أهدافًا سرابية في ملعب العناد السياسي.
لكن الحقيقة البسيطة: شعبنا لم يكن بخير.
الغربة عن الوطن ليست سفرًا عابرًا، بل اقتلاعٌ للدفء من الجذور؛ من حضن الأرض، من الجيران، من الأزقة التي عرفناها منذ الطفولة في الحارة القديمة.
كل مدينة جديدة تذكّرنا أننا غرباء في كل مكان، إلا في وطننا، وأن الحنين لا يعترف بالزمن ولا يشيخ.
هل نجد في التهجير دفئًا يعوّض حضن الوطن؟
يبدو أن الإجابة لن تأتي إلا بالعودة.
ناقوس خطر الهجرة يقرع بعنف، ولا يمكن إسكات صوته إلا ببدءٍ حقيقي لمرحلة الإعمار: إعمار البيوت، والمؤسسات، والبنية التحتية، قبل إعمار الشعارات.
هل توحّد الحرب والدمار صفوف الفصائل المتناثرة؟
حتى الآن، يبدو أن الغرب اكتفى بتشكيل مجلس سلام، ولجنة تكنوقراط، وحكومة خدماتية، بينما يستمر الصراع بين الإخوة الأعداء، ويواصل شعبنا الموت يوميًا بعذاب الفقد وضياع الذاكرة.
التهجير، بنسختيه الناعمة والخشنة، يتنفس تحت سماء تمطر رصاصًا وقذائف، بأصواتها المرعبة، وروائحها الكريهة، ودخانها الخانق.
هروب الناس ليس مجرد هروب أو سفر، بل مأساة إنسانية وسياسية وأخلاقية، تسرق الحياة والكرامة، وتترك الفلسطيني وحيدًا في مواجهة الخوف واليأس والغربة والحنين.
ستبقى الأرض ميدانًا لمآسٍ لا تنتهي،
وسيظل القلب الفلسطيني لا يعرف الدفء إلا في حضن الوطن الأم.
وإذا كان للمستقبل معنى، فهو البقاء.
وحينها فقط يمكن لغزة، ولأراضينا، ولذكرياتنا، أن تعود إلى مكانها الطبيعي؛
حيث الحياة ليست هروبًا من النار،
بل حقٌّ يُعاش بحرية وكرامة،
ويحتضن الإنسان فيه دفء وطنه… مرةً أخرى.