بيان مؤتمر فتح 8..حضرت اللغة وغابت السياسة!
حسن عصفور
بيان مؤتمر فتح 8..حضرت اللغة وغابت السياسة!
أنهت حركة فتح مؤتمرها الثامن، بانتخاب لجنة مركزية جديدة، 9 أعضاء للمرة الأولى، منهم ما يعتبر مفاجأة، وغادرها ذات الرقم وأيضا منهم ما كان مفاجأة، وكذلك مجلس ثوري لم يكن مختلفا كثيرا، لأن القوة المركزية أظهرت وجود خيط خاص تحكم في مسار الحركة التصويتية، التي قد ترسم ملامح قادمة، ما لم يحدث تطورات مختلفة.
وأن حملت المسألة التنظيمية بعضا من مفاجآت انتخابية، فإن المسألة السياسية شهدت مفاجآت بشكل مختلف، حيث كان البيان الختامي لحركة فتح، المفترض بأنها العامود الفقري للتمثيل الرسمي الوطني، تائها في مضمونه ورؤيته.
بيان فتح في مؤتمرها الثامن، قام بعملية خلط سياسي ما كان للحركة أن تقع به، عندما تحدث عن منظمة التحرير بصفتها الممثل الشرعي الوحيد، باعتبارها الإنجاز السياسي الأهم، متجاهلا بناء أول كيان فلسطيني فوق أرض فلسطين في التاريخ، وكونه مثل جدارا في مواجهة المشروع الاحلالي، تجاهل امتد لاعتبار شرطية الوحدة في المنظمة أن تعترف بنظام سياسي واحد، مغفلا أن دولة فلسطين باتت واقعا سياسيا لا يجوز دمجها بالممثل العام.
عدم قدرة مؤتمر فتح على التمييز السياسي بين منظمة التحرير بصفتها العامة وبين دولة فلسطين وتمثيلها الرسمي فذلك تجسيد لتيه سياسي والعيش في جلباب الشعارات "الفخمة"، متجاهلين أن دولة فلسطين هي من بات ممثل الشعب في الأمم المتحدة وكل ما تفرع عنها من مؤسسات أممية، وكذا الجنائية الدولية، إلى جانب المؤسسات العربية والإسلامية، فلم تعد منظمة التحرير هي الممثل الرسمي، بل تحولت إلى ممثل سياسي كفاحي.
حركة فتح في بيان مؤتمرها الثامن، تجاهلت كليا أي تحديد حول خطوات تعزيز دولة فلسطين وفك الارتباط بدولة الاحتلال استنادا إلى قرارات المجلس المركزي منذ عام 2015، ولم تقف أمام خطوات محددة حول تفعيل مكانة الدولة في المؤسسات العالمية، خاصة الارتقاء بعضويتها، والرد على قرار كنيست دولة الاحتلال حول تجريم دولة فلسطين بالمطالبة بسحب الاعتراف بها، وشرطة تفعيل مفهوم "الاعتراف المتبادل".
بيان حركة فتح في مؤتمرها الثامن، تجاهل كليا أي إشارة إلى خطوات حول مساءلة دولة الاحتلال وملاحقتها، خاصة ما يرتبط بالمحكمة الجنائية الدولية، التي تمثل راهنا عنوان المطاردة والمساءلة الوحيدة، بعدما حاولت أمريكا تطويقها، بل وإرهابها عبر خطوات، دون أن تصيب هدفها، فالجنائية لم تتراجع رغم الحصار، لكن أن تتجاهلها فتح فتلك مسألة لا يمكن اعتبارها "سقط سهوا"، بل يمكن الحسم بأنها "سقطت عمدا"، وفقا لحسابات تبدو معها ملامح "صفقات غير معلنة"، تهدف إلى القفز عن عمل المحكمة الجنائية الدولية.
بيان حركة فتح في مؤتمرها الثامن، تحدث عن الضفة والقدس وما تتعرض له من تهويد وضم بصياغة تجنبت روح المواجهة، والإشارة إلى "انتهاج المقاومة الشعبية السلمية" ليس تعبيرا عفويا، بل هو رسالة إلى الغير، وكان له أن يكتفي بتحديد "المقاومة الشعبية" فقط، وغابت أي إشارة لعمليات التهويد والضم، التي بدأت أكثر وضوحا مما كان في سنوات سابقة، بينما تعامل البيان مع القوى الفلسطينية الأخرى بإشارة ثانوية جدا.
بيان مؤتمر فتح، قدم العاطفة المكثفة في الإشارة بأن "غزة هي رحم الثورة ومخزونها الوطني الدائم"، دون أن يقدم لها ما يجب أن يكون فعلا، خاصة وأنها تملك تنظيما واسعا، انعكس في انتخابات مركزيتها ومجلسها الثوري، واكتفى بدعوة عامة بدأت كضرورة تكملة الجملة حول "إيلاء غزة وكادر فتح الأولوية القصوى"، بدلا من رؤية شاملة حول كيفية ما يجب في اليوم التالي.
فتح في بيان مؤتمرها الثامن، كشف أنها غرقت في المسألة التنظيمية على حساب السياسي، وقيدت يديها بحسابات ضبابية، تفترق في مفاصل أساسية عن روحها اليانيرية، وعما كانت في خاطر الشعب زمنا سابقا.