نشر بتاريخ: 2026/04/15 ( آخر تحديث: 2026/04/15 الساعة: 14:07 )

حصار إيران: لعبة عضّ الأصابع

نشر بتاريخ: 2026/04/15 (آخر تحديث: 2026/04/15 الساعة: 14:07)

بعد تطبيق الحصار البحري، الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شواطئ وموانئ إيران منذ يومين، بدأت عملياً لعبة عض الأصابع بين الولايات المتحدة وإيران، والعالم كله يحبس أنفاسه ليرى نهاية هذه اللعبة التي على ما يبدو لن تنتهي على خير. فالأمر لا يتعلق فقط بين الدولتين، بل إن تبعات هذا الحصار تطال كل بقعة في هذا الكون؛ فأسعار النفط ارتفعت وتواصل الارتفاع، وكل السلع والخدمات ترتفع تبعاً لذلك، والتضخم الاقتصادي سيكون سيد الموقف في غالبية دول العالم، والكل في انتظار رؤية من يصرخ أولاً.

الولايات المتحدة وإسرائيل اكتشفتا بعد الحرب على إيران أن النظام الذي أريد إسقاطه لم يسقط، بل إن الاتجاهات الأكثر تشدداً، وتحديداً في الحرس الثوري، سيطرت على مقاليد الحكم، على خلاف ما يدعيه ترامب من تغيير النظام ووجود ناس عقلاء ومعتدلين في النظام الإيراني نتيجة للضربات الأميركية الإسرائيلية، بدليل فشل المفاوضات وكل محاولات الإدارة الأميركية تطويع السلطات في إيران وجعلها تسلّم بمطالب ترامب، وبالتالي الذهاب نحو فرض حصار شامل على سواحل إيران. وأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة تشعر بعزلة شديدة حتى وسط حلفائها؛ فهذه الحرب لم يشارك فيها أحد غير إسرائيل والولايات المتحدة، وبدأت في وقت كان العالم يترقب الوصول إلى اتفاق في المفاوضات التي كانت تجري في جنيف قبل الحرب بأيام وكانت تقترب من التوصل لاتفاق. وعملياً لم تحقق الحرب أياً من أهدافها المعلنة. فعدا إسقاط النظام الذي لم يحصل، لم يتم تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية بشكل كامل، ولا أيضاً البرنامج النووي حيث لا تزال كمية كبيرة من اليورانيوم المخضب لدرجة 60% موجودة في إيران ويمكنها أن تتحول إلى قنابل نووية. ولم تتخلَّ إيران عن برامجها المعلنة في كل القضايا المطروحة بما في ذلك تخليها عن أذرعها الإقليمية بدليل أن هناك تنسيقاً محكماً مع «حزب الله» الذي شن حرباً على إسرائيل دفاعاً عن إيران.

ترامب وجد نفسه في عزلة حتى عن أقرب حلفائه المملكة المتحدة، فقد رفضت لندن المشاركة في الحرب وترفض الآن المشاركة في حصار إيران أو تسيير دوريات لفتح مضيق هرمز بالقوة. وهذا هو بطبيعة الحال موقف كل أعضاء حلف «الناتو». وهذا ما جعل الرئيس الأميركي يخرج عن طوره ويهاجم أوروبا وحلف الأطلسي ويهدد بالانسحاب منه ومعاقبة كل الدول التي رفضت الانصياع لمناشداته التدخل في الحرب. فهذه الحرب من وجهة نظر حلفائه ليست في مكانها ولا يوجد لها أي مبرر أو مسوغ قانوني، كما أن إيران لم تهاجم أحداً أو تشكل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة، وهذا ما يقوله الأميركيون بمن فيهم بعض أركان الإدارة الحالية. كما أن تبعاتها تطال كل الدول وأوروبا ربما تكون الخاسر الأكبر اقتصادياً في هذه الحرب.

لقد اعتقد ترامب أن بمقدوره أن يسيطر على النفط والغاز الإيرانيَّين بعد انهيار النظام ونشوء نظام جديد موالٍ للولايات المتحدة، وبإمكانه مواجهة الصين بدرجة رئيسة وروسيا بصورة أقل هناك، واللتين تربطهما علاقات تعاون وتحالف مع النظام الإيراني، لكن ما حصل هو شيء معاكس تماماً لرغبته أو أحلامه فالنظام باقٍ، وروسيا مستفيدة من الحصار لأنها رجعت إلى كامل طاقتها التصديرية من النفط والغاز لدرجة أن الرئيس فلاديمير بوتين يعرض تزويد أوروبا بالغاز إذا تبقى لديه فائض. وهذا يعبّر عن نوع من السخرية من أوروبا. والصين لديها خط يربطها بروسيا وتستطيع التزود بما تحتاجه مباشرة من هناك دون الحاجة إلا بنسب ضئيلة للمضيق. وأوروبا لا بديل لها عن النفط العربي سوى النفط من الولايات المتحدة، وهو أغلى وأكثر كلفة بكثير من نفط الخليج وغازه.

الآن يجري الحديث عن جولة جديدة من المفاوضات قد تجري نهاية هذا الأسبوع بين إيران والولايات المتحدة، وبدأت تظهر تسريبات تشير إلى أن إدارة ترامب بدأت تبدي بعض المرونة والتراجع إن شئنا من قبيل تجميد البرنامج النووي الإيراني لمدة 20 عاماً، فمن اشتراط تفكيك ووقف نهائي إلى تجميد زمني. وهناك أحاديث أخرى عن إمكانية التوصل إلى اتفاق. مهما يكن يبدو أن واشنطن في ورطة حقيقية. صحيح أن الحصار مؤلم ومكلف لإيران. ولكنه أيضاً مضر بالاقتصاد العالمي ومكلف لكل الدول، ويطال جيوب كل المواطنين في كل مكان بما في ذلك المواطن الأميركي الذي سيخوض الانتخابات التكميلية للكونغرس في خريف هذا العام، ما قد يطيح بالأغلبية الجمهورية في مجلسَي الكونغرس.

ومن بدأ يصيح بفعل ما يجري في الواقع هو رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي ألقى خطاباً قبل يومين هاجم فيه أوروبا وادّعى أنه يدافع عن أوروبا التي نسيت التزاماتها منذ الهولوكوست. وأن إسرائيل إن اضطرت لخوض حرب، فهذا من أجل الخير والقيم الأوروبية التي نسيتها دول الاتحاد. طبعاً لوم أوروبا جاء بسبب عدم المشاركة في الحرب وبسبب لومها لإسرائيل على قصفها لبيروت وعلى ما تقوم به تجاه الفلسطينيين. فالموقف الأوروبي يغضب نتنياهو ويخرجه عن طوره. فإسرائيل في نهاية المطاف ستخرج خاسرة من هذه الحرب مع أعداء أكثر شراسة وتصميماً عما كان قبل. ويبدو أن الذين راهنوا على الزمن سيأتي ضدهم، ومع الوقت تتكرس خسارتهم. وفي النهاية الخسارة شاملة ولو بدرجات متفاوتة.