نشر بتاريخ: 2026/04/15 ( آخر تحديث: 2026/04/15 الساعة: 14:05 )

غزة: حين تصبح الحياة نفسها هدفاً

نشر بتاريخ: 2026/04/15 (آخر تحديث: 2026/04/15 الساعة: 14:05)

الكوفية لم تعد غزة "حالة سيريالية" بوصفها استعارة أدبية، بل واقعاً يتجاوز المجاز إلى تفكك كامل في منطق الحياة اليومية. حين يصبح القصف أمراً اعتيادياً وإيقاعاً ثابتاً، والشهداء رقماً يتكرر بلا انقطاع، والمكان المكتظ بالحياة هدفاً مشروعاً، فنحن لا نكون أمام حرب بالمعنى التقليدي، بل أمام استمرار لحرب إبادة صامتة بلا زخم إعلامي، وعملية إعادة تشكيل قسرية للواقع: واقع يُنتج الخوف كحالة دائمة، ويُفرغ الزمن من معناه، ويُعيد تعريف ما هو طبيعي.

في هذا الواقع، لا يعود الادعاء باستهداف “مطلوبين” أو ما يُسمّى بـ”القنبلة الزمنية"، تفسيراً، بل غطاءً. فحين تُقصف البيوت والأسواق والمقاهي والبسطات، ونقاط البيع، وأماكن المولدات، والبركسات التجارية، أي قلب الحياة اليومية، فإن تعريف “الهدف” نفسه يتسع ليشمل كل ما هو حيّ ومتحرك. لم يعد الأمر يتعلق بخطأ عسكري أو بما يسميه الاحتلال “أضرارًا جانبية”، بل بنمط ثابت: الضرب داخل الكثافة البشرية، حيث تستمر الحياة رغم الحصار، وكأن هذه الاستمرارية ذاتها أصبحت تهمة.

هنا تحديداً يتكشف التناقض الفجّ بين الرواية والواقع. في العلن، حديث متكرر عن “تحسين الوضع الإنساني” وإدخال المساعدات. وعلى الأرض، أرقام تُفكك هذا الادعاء: منذ وقف إطلاق النار، نحو 760 شهيدًا، 99% منهم من المدنيين؛ أكثر من 2,100 جريح، الغالبية الساحقة منهم أيضًا مدنيون؛ واعتقالات تُنفذ من داخل الأحياء السكنية، بعيدًا عن أي خطوط تماس مزعومة. هذه ليست مؤشرات عرضية، بل بنية متكاملة من الاستهداف.

الأمر لا يتوقف عند القتل والإصابة، بل يمتد إلى إدارة الحياة نفسها. معبر رفح، الذي يفترض أن يكون شرياناً إنسانياً، يعمل بنسبة لا تتجاوز 7% من طاقته المتفق عليها. شاحنات المساعدات تدخل بنسبة 37% فقط، فيما الوقود العصب الحيوي لأي بقاء، لا يتجاوز 14% من الكمية المفترضة. المتوسط اليومي للشاحنات (227) يبدو رقماً تقنياً، لكنه في الحقيقة يعادل فجوة يومية هائلة بين ما يجب أن يكون وما هو قائم فعلياً.

هذه الفجوة ليست خللاً أو عارضاً إدارياً، بل سياسة ممنهجة ضمن بنية الحصار والعقاب الجماعي. فحين لا تُدخل المعدات الثقيلة لرفع الأنقاض، تبقى الجثامين تحت الركام. وحين لا تُدخل المستلزمات الطبية، يتحول الجرح إلى مسار مفتوح نحو الموت. وحين لا تُشغّل الكهرباء، تصبح كل تفاصيل الحياة، من الماء إلى العلاج، معلقة على حافة الانهيار. بهذا المعنى، لا تكون المساعدات استجابة إنسانية، بل أداة ضبط: ما يكفي لإبقاء الحياة ممكنة بالحد الأدنى، دون أن تكون قابلة للاستقرار.

وحين تُترك الأمراض والأوبئة لتنتشر، مع منع إدخال الأدوية والمبيدات اللازمة لمكافحة الحشرات والقوارض، فإن ذلك لا يكون نتيجة عجز، بل امتدادًا لسياسة قديمة-جديدة: إدارة الإهلاك البطيء بوسائل متعددة.

وفي السياق ذاته، فإن كل ما تقوم به دولة الاحتلال، تحت عنوان استمرار السيطرة الأمنية، واستهداف أفراد أو قادة في حركة حماس ممن يُتهمون بالمشاركة في السابع من أكتوبر يأتي بوصفه امتداداً لهذه الحرب، لا خروجاً عنها. فهي سياسة تصفية مستمرة، تندرج ضمن ما يُعرف في العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بـ”جزّ العشب”، أي إعادة إنتاج العنف بشكل دوري لضبط الواقع، لا إنهائه. وفي كل مرة، يدفع الفلسطينيون الثمن: ما يُسمّى محلياً “خسائر حرب”، بينما يُعاد تسميتهم إسرائيلياً “أضرارًا جانبية”، رغم أنهم بالآلاف.

وعندما تُمنع اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الدخول إلى القطاع لممارسة عملها، وفي الوقت الذي يطرح فيه نيكولاي ميلادينوف، رئيس المجلس التنفيذي للسلام، خططًاً تربط نزع السلاح قبل التزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها، فإن ذلك لا يعكس تعثراً في التنفيذ، بل سياسة متعمدة لتعطيل حياة الفلسطينيين.

الأشد قسوة في هذا المشهد ليس فقط حجم الخسارة، بل ما يخلقه من وعي جديد. حين يصبح عدد مرافقي المرضى أكبر من المرضى أنفسهم، فنحن أمام مجتمع يُعاد تنظيمه حول الألم. وحين يقول الناس إنهم “ينتظرون الأسوأ”، فهذه ليست مبالغة، بل تعبير دقيق عن أفق مغلق، حيث لا يعود المستقبل وعدًا، بل تهديداً مؤجلاً.

ومع ذلك، تستمر الحياة: بيع وشراء، حركة، محاولات يومية للنجاة. هذه الاستمرارية ليست دليلاً على التعافي، بل على الإكراه. الناس لا يعيشون لأن الظروف تسمح، بل لأنهم مجبرون على الاستمرار داخل بيئة لا تُحتمل. وهنا تكمن المفارقة القاسية: الحياة في غزة لم تعد نقيض الموت، بل شكله المؤجل.

ما يحدث في غزة ليس فقط تدميراً مادياً، بل إعادة تعريف مقصودة لشروط البقاء نفسها.

ما يجري ليس مجرد حرب مستمرة، بل نظام متكامل لإدارة الحافة: حافة الموت، وحافة الانهيار، والاحتمال. بين خطاب يتحدث عن الإنسانية، وواقع يُنتج العكس تماماً، تتكشف الحقيقة الأوضح: المشكلة ليست في نقص المساعدات فقط، بل في البنية التي تجعل من الحياة نفسها هدفًا.

ولهذا، فإن أي حديث عن “تحسين إنساني” بزيادة عشرة أو عشرين شاحنة، لا يبدأ بوقف هذا النمط، وفتح المعابر فعلياً، وضمان تدفق المساعدات والوقود بما يتناسب مع حجم الكارثة، ليس سوى إعادة إنتاج للوهم—وهم إدارة الأزمة بدل إنهائها.زفي غزة اليوم، لم يعد السؤال كم عدد الشهداء، بل: كيف أصبح الموت هو المعيار، والحياة استثناءً يحتاج إلى تبرير؟