نشر بتاريخ: 2026/08/03 ( آخر تحديث: 2026/08/03 الساعة: 01:12 )

دحلان... ذاكرة وطن لا تغيب

نشر بتاريخ: 2026/08/03 (آخر تحديث: 2026/08/03 الساعة: 01:12)

الكوفية  في زمن يتساقط فيه كثيرون على أعتاب المصالح الضيقة، يبقى محمد دحلان حالة استثنائية في المشهد الفلسطيني، رجلاً لم ترهقه السنون، ولم تخذله الذاكرة، ولم تنل منه سكاكين الغدر التي طالما استهدفت خاصرة الرجال في لحظات الشدّة.

هو ليس مجرد قيادي سياسي أو برلماني سابق، بل هو حكاية طويلة من الصمود والتحدي، تختزل جزءاً مهماً من ذاكرة وطن، وتختزن تفاصيل لا يدركها إلا من عركته ميادين النضال، وتنفس غبار الانتفاضة، وذاق مرارة الملاحقة والاقصاء.

حين نذكر محمد دحلان، فإننا نستدعي وجهاً بارزاً من وجوه الانتفاضة الأولى، ذلك الشاب اليافع الذي قاد المظاهرات في شوارع غزة، وتنقّل بين مخيماتها حاملاً همّ شعبه، ومؤمناً بأن الاحتلال إلى زوال.

كان دحلان أحد مهندسي العمل الشعبي والمقاومة المنظمة، وأحد الذين آمنوا بأن التحرير لا يُستجدى، بل يُنتزع بالإرادة والثبات. لم يكن أسيراً للشعارات، بل ابن تجربة ميدانية طويلة، جعلت منه رقماً صعباً في معادلة السياسة الفلسطينية.

لكن ما يميز محمد دحلان ليس فقط تاريخه النضالي، بل أيضاً تلك القدرة الفائقة على النهوض من بين الركام. فقد تعرّض لحملات تشويه وإقصاء ممنهجة، وحوكم غيابياً، وأُبعد عن المشهد في لحظة كان فيها قاب قوسين أو أدنى من صنع القرار.

ومع ذلك، لم يسقط، ولم يتحوّل إلى ظل لذاته، بل أعاد بناء نفسه ومشروعه بهدوء، رابطاً بين الداخل والخارج، حاملاً هموم الناس حيثما حلّ.اليوم، وبعد سنوات من الغياب القسري، يعود اسم محمد دحلان ليتردد في أزقة المخيمات وبيوت الفقراء، ليس كسياسي تقليدي، بل كرجل دولة يقدّم نموذجاً مختلفاً في العمل الأهلي والتنموي. لقد راهن على الإنسان، فبنى المدارس والمستشفيات، ومدّ يد العون للمحتاجين، وأثبت أن السياسة النظيفة تبدأ من خدمة الناس لا من استغلالهم.

ما يشفع لدحلان، وما يجعل تأثيره ممتداً رغم كل شيء، هو أنه لم يتلطّخ بدماء أبناء شعبه، ولم ينخرط في لعبة المحاور التي أشعلت المنطقة، بل حافظ على خطاب وطني جامع، يؤمن بالمصالحة دون تفريط، وبالمقاومة دون مغامرة، وبالدولة دون مساومات.

إن الحديث عن محمد دحلان ليس نوستالجيا سياسية، بل استشراف لمستقبل ما زال مفتوحاً على كل الاحتمالات، في وطن لم يمت، وشعب لم يرفع الراية البيضاء بعد.