نشر بتاريخ: 2026/06/09 ( آخر تحديث: 2026/06/09 الساعة: 18:06 )
د. سامر موسى

حين يصبح العمل الإنساني مشروعاً للمحاكمة والخدمة تهمة

نشر بتاريخ: 2026/06/09 (آخر تحديث: 2026/06/09 الساعة: 18:06)

في الحرب الممتدة لا يقتصر الخطر على القصف والموت، بل يمتد إلى اهتزاز المعايير التي تحكم نظرة المجتمعات إلى الفعل العام، ففي لحظات الانهيار الكبرى يتغير السؤال الجوهري: لم يعد "من يتحدث باسم الناس؟" بل "من يقف إلى جانبهم فعلاً حين يغادر الجميع إلى بياناتهم وتحليلاتهم؟"

في غزة، حيث الحرب لم تهدأ بعد، وحيث تتداخل المأساة الإنسانية مع الانسداد السياسي، برزت نماذج مختلفة من الحضور العام، بعضها اكتفى بإدارة الخطاب من بعيد، فيما اتجهت مجموعات وقيادات ميدانية إلى فتح مطابخ الإغاثة وإدارة قوافل المساعدات، دون أن تسأل عن هوية الجائع أو انتماء المستفيد، سأل هؤلاء فقط: أين النقص؟ وكيف نصل إليه؟

هذا النمط من الحضور لا يمكن اختزاله في إطار العمل الخيري، إذ إن أثره يتجاوز المساعدة الآنية إلى بناء جسور ثقة من نوع مختلف بين المجتمع والفاعلين فيه، إنه سياسة تمارس باليد لا باللسان، وبيان يكتب بالدواء والخبز لا بالحبر. ففي المجتمعات التي تمر بكوارث كبرى تنتقل مصادر الشرعية جزئياً من المجال الخطابي إلى المجال العملي. الناس لا تقيس الأدوار بما يقال، بل بما يتحقق على الأرض، وهنا تحديداً يصبح العمل الميداني رصيداً اجتماعياً ومعنوياً كبيراً، حتى لو لم يسع صاحبه إلى منصب أو موقع رسمي.

ولعل هذا ما يفسر الجدل المتصاعد الذي يحيط ببعض المبادرات الإغاثية خلال الحرب، فما يجري في الكواليس السياسية لا يقل شراسة عن الحرب ذاتها. إذ تتعرض بعض هذه الجهود لحملات تشكيك واستباق لا تستند دائماً إلى تقييم موضوعي للأداء أو النتائج، بقدر ما تعكس حالة من التوجس إزاء أي تجربة تنجح في بناء حضور مجتمعي واسع خلال ظروف استثنائية.

وقد برز ذلك بوضوح في الحملات الإعلامية والسياسية التي استهدفت بعض المبادرات الإنسانية الفاعلة، ومنها عملية "الفارس الشهم"، حيث جرى في أحيان كثيرة التعامل مع الجهد الإغاثي بوصفه موضع ريبة بدلاً من النظر إليه من زاوية أثره المباشر على حياة المدنيين. ولم تقتصر هذه الحملات على النقد أو التساؤل المشروع، بل تجاوز بعضها إلى محاولات التشويه والتقليل من قيمة الإنجازات الإنسانية التي تحققت على الأرض، وكأن نجاح العمل الإغاثي بات يستدعي المحاكمة بدلاً من التقدير. وفي أجواء الاستقطاب الحاد تصبح المبادرات الناجحة هدفاً سهلاً للتشكيك، لا بسبب إخفاقها، بل أحياناً بسبب قدرتها على الوصول إلى الناس وبناء الثقة معهم في أكثر اللحظات صعوبة.

وفي المقابل، تتكرر قراءات تربط هذا الحضور الميداني بطموحات سياسية مستقبلية، رغم أن الشخصيات المعنية أكدت في مناسبات عديدة أن أولويتها تنصب على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الملحة التي فرضتها الحرب. وقد انعكس ذلك في توظيف شبكة واسعة من العلاقات والموارد لدعم جهود الإغاثة وتسهيل وصول المساعدات، أكثر من انشغالها بالتموضع داخل معادلات السلطة أو المنافسة على مواقع النفوذ.

ولعل ما يثير الجدل حول هذه التجارب ليس ما تعلنه من مواقف، بقدر ما يحققه حضورها العملي على الأرض، ففي أوقات الأزمات الكبرى تكتسب الفاعلية الميدانية وزناً استثنائياً، وتتحول القدرة على الاستجابة لمعاناة الناس إلى مصدر مهم من مصادر الثقة المجتمعية. ومن هنا يصبح النقاش حول هذه النماذج جزءاً من نقاش أوسع يتعلق بعلاقة العمل الإنساني بالمجال العام، وبالحدود الفاصلة بين الخدمة المجتمعية والتأثير العام الذي قد ينشأ عنها بصورة طبيعية، حتى دون سعي مباشر إلى السلطة.

إن الخوف الحقيقي ليس من فساد يُخشى منه، بل من نزاهة تثبت نفسها بالممارسة، ومن قدرة على الإيصال وسط ظروف خانقة، ومن مصداقية تُبنى لبنة لبنة مع كل عائلة تنجو من الموت جوعاً، فالنجاح في خدمة الناس خلال المحنة يمنح رصيداً معنوياً يصعب تجاهله، وهو رصيد يتنامى كلما اتسعت دائرة المستفيدين من هذه الجهود على الأرض.

في زمن الحرب المفتوحة على كل الجبهات الإنسانية، لا متسع لتصفية الحسابات، فالمنهمكون في جهود الإنقاذ والإغاثة لا يملكون ترف الانشغال باليوم التالي بقدر انشغالهم بتحديات اليوم نفسه، هم لا يتكهنون بشكل السلطة القادمة، بل يعملون على ألا يموت الناس من الجوع والمرض قبل أن تصل أي حلول سياسية أو إدارية، وهذا فارق تدركه المجتمعات المنكوبة من خلال ما تلمسه من أثر مباشر في حياتها اليومية.

غزة التي ما زالت تنزف لا تحتاج اليوم إلى مزيد من السجالات بقدر حاجتها إلى كل يد تمتد لتخفيف المعاناة. ولا تحتاج إلى استقطاب جديد يضاف إلى جراحها، بل إلى توسيع دائرة المبادرات القادرة على حماية الإنسان وصون كرامته. لذلك فإن السؤال المهم: كيف نحمي الجهد الإنساني من الاستقطاب السياسي؟ وكيف نشجع كل مبادرة تخفف المعاناة بعيداً عن التشكيك المسبق؟

إن القيمة الأخلاقية لأي تجربة عامة في هذه المرحلة تقاس بمدى مساهمتها في حماية الإنسان وصون كرامته وتخفيف معاناته. أما التقييم السياسي النهائي فسيبقى رهناً بما ستسفر عنه المرحلة المقبلة، لكن ما لا يمكن إنكاره أن خدمة الناس في زمن الكارثة ليست تهمة، بل واحدة من أرفع صور المسؤولية الوطنية والإنسانية.

في النهاية، لا تحتفظ الذاكرة الجمعية كثيراً بالسجالات العابرة، لكنها تتذكر من وقف إلى جانبها في أوقات الخوف والجوع والحاجة. والتاريخ، مهما طال الزمن، لا يقاس بكثرة الخطابات ولا بحدة الخصومات، بل بالأثر الذي يتركه الأفراد والجماعات في حياة الناس، والأثر هنا، في غزة التي تحترق، يقاس بالجياع الذين أُطعموا، والجرحى الذين عولجوا، والعائلات التي وجدت من يساندها في أصعب الظروف. وهذا رصيد لا يمحوه بيان، ولا تنال منه حملة، لأنه أبعد من السياسة، وأبقى من الحرب.