على عمر الستين
عبد الغني سلامة
على عمر الستين
يوم أمس وفي طريقي إلى العمل لتوقيع أوراق التقاعد، وقد بلغت الستين عاماً، انتابتني مشاعر متضاربة وأنا أتأمل الشوارع والأرصفة، مع صوت فيروز سرحت في خيالات بعيدة، وغصتُ في أعماق الذاكرة مسترجعاً ومستشعراً عبق البدايات بكل صخبها وعنفوانها، لأقارنها مع النهايات بحساباتها الباردة والقاسية.
تذكرتُ يوم عودتي إلى الوطن مع أفواج العائدين قبل ثلاثين عاماً.. قبل ذلك في المنفى، كانت قد تكونت في أذهاننا صورة متخيلة للوطن، صورة مثالية، بأبهى ألوانها وأفخم معانيها.. صورة صنعتها الأشواق وشكّلها الحنين وصاغتها أغاني العاصفة.. كنتُ أظن أنه بمجرد أن تطأ قدمي أرض الوطن، سأقبّل تربته.. لكن ذلك لم يحصل؛ فما أن أنهيتُ معاملات دخول الجسر، ونزلتُ من الحافلة.. نظرتُ للأرض؛ فوجدتها ساحة معبدة بالإسفلت، مثل أي شارع آخر، وفوق ذلك كانت قد تعرضت لساعات من لهيب الشمس.. فعدلت عن الفكرة.. وانشغلت بفكرة أين سأبيت هذه الليلة؟
كانت مئات العائلات قد أتت إلى أريحا لاستقبال أقاربهم العائدين، يعانقونهم بحرارة ثم يستقلون سياراتهم ويمضون في طريقهم إلى بيوتهم بكل شوق.. ولما فرغت الساحة من العائدين والمستقبلين، وبقيتُ وحيداً، جاءتني عائلة من جبع جنين وسألتني إلى أين ستذهب؟ فقلت لهم لي صديق في طوباس سيسعد بزيارتي في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فحملوني معهم مشكورين إلى بيت صديقي معاوية.
في البدء لم يكن لدي بيتٌ يُؤويني، وجيوبي خاوية تماماً، وكنت أبيت في المعسكر وبيتَي الصديقين معاوية وأنيس، أنتظر بلهفة عودة زوجتي، وأمضي الوقت وأنا أكتشف الأشياء والأماكن وأقرأ وجوه الناس، لم أكن أعرف ماذا أريد بالضبط، هل سأبقى ضابطاً في الأمن الوطني، أم سأعمل مهندساً زراعياً، أم موظفاً في إحدى الوزارات؟ وأين سنسكن وكيف سنعيش؟
هذه الأسئلة، جميعها، كانت تتقزم أمام حقيقتين في غاية الروعة والجمال: أنّني مع حبيبتي خلود على أرض الوطن، وأنّنا معاً بكامل حريتنا الشخصية، سنعيش الواقع بتفاصيله، وسنبني حلماً سقفه السماء، وسنعيد ترتيب الكون كما تشتهي قلوبنا، ولكن على مهل.. وهذا ما كان.
مع مرور الوقت تأكدت أنني لن أقابل شيئاً ما، أو كائناً حياً اسمه الوطن.. صرت أكتشف أن هذا الوطن يشبه كل البلدان؛ فيه محال تجارية فاخرة، وأخرى متواضعة، وأرصفة نظيفة، وأخرى محفّـرة، وسيارات مرسيدس وهونداي، وحقول بامية وحدائق، ومعامل طوب.. وهذا الوطن ليس كله خَضارٌ مدهش، كما هو في الصور، فيه مناطق جرداء، ومزابل، ومطبات.. ناسه مثل سائر البشر، فيهم الطيبون والأشرار.. الشمس ساعة الغروب تشبه الشمس في كل البلاد التي زرتها؛ تراها وتحس بجمالها حسب حالتك النفسية.
مع ذلك، كنتُ مفعماً بالأمل، ومتحمساً، ولدي طاقة مدهشة، وأحلام مجنونة.. حلمتُ بوطن حر، مهما صغرت مساحته، وطن جميل، له عَلم وحيد.. هواؤه نقي، لا تلوثه قنابل الغاز، نمشي في شوارعه دون خوف، نبتسم بوجه الشرطي الذي لا تتعدى مسؤولياته تنظيم حركة المرور.. وطن لا يلقي أحد نفاياته من شباك سيارته.. فيه كل الطوائف، ولكن لا أحد يفكر بالطائفية.. تُحترم فيه الأديان، ولكن دون وجود لرجال الدين.. فيه عشرات الأحزاب التي لا يغلّب فيها حزبٌ مصالحه على مصالح البلد.. والعشائر ليست أكثر من مجرد نسب، أو لقب.. المدارس بلا منهاج رتيب، المدرّس يلقي النكات على تلاميذه، والتلاميذ يركضون بصخب في الملاعب.. والجامعات لا تخرّج إلا من يبتدع بحثاً مبتكراً.. والتأمين الصحي متاح للجميع.. والطبيب لا يعتقد أنه أذكى من المرضى.. والمدير يعد قهوته بنفسه، والوزير يمشي بلا مرافقين، والرئيس بلا موكب.. والوظائف بلا واسطات.. والتلفزيون لا يمتدح الحكومة.. ولا أحد يتحرش بالفتيات.. والانتخابات تجري بمواقيت لا تخضع لمزاج أحد.. الموظف لا يضطر لمجاملة مديره.. والمزارع لا يخشى انحباس المطر.. وعامل النظافة يلقى احترام الجميع.. الضريبة السنوية على المواطن أن يزرع شجرة.
وطنٌ يتأهل ولو مرة واحد لنهائيات كأس العالم.. ويفوز بميدالية ذهبية في الأولمبياد.. وطن بلا هراوات، ولا محسوبيات.. وطنٌ، بإمكان أي أحد أن يشتمه، أو يحبه.. وأن يرقص في شوارعه ولا أحد يزدريه.
مع كل الخيبات، والإخفاقات، ومع هذا الواقع البائس، ما زلت أحلم بهذا الوطن.. ولا أخطط لمغادرته.. وما زال قلبي يخفق فرحاً كلما مررت بمدرسة، ويرقص طرباً مع كل فوج من خريجي الجامعات.
بهذا اليوم، أُنهي خدمة دامت 35 سنة، خمس سنوات على كادر منظمة التحرير، ثم ضابطاً في الأمن الوطني، ثم موظفاً في السلطة الوطنية.. كان لي شرف المساهمة في وضع اللبنات الأولى منذ الحكومة الأولى، حين أسسنا مع الراحل الكبير أبو علي شاهين ومجموعة من الزملاء والزميلات وزارة التموين، التي ستندمج لاحقاً مع وزارتي الصناعة والتجارة لتصبح وزارة الاقتصاد الوطني، ملتحقاً بالإدارة العامة لحماية المستهلك..
أسسنا بهمّة زميلات وزملاء أفاضل مختبراً متخصصاً بفحص الأغذية والمشروبات والمواد الاستهلاكية، وشاركنا بصياغة العديد من القرارات والقوانين وأنظمة الجودة والنشرات الإرشادية والمذكرات التفسيرية وغيرها مما يلزم لوضع أسس بنية تحتية إدارية تواكب أحدث الأنظمة.. ولا أزعم أننا حققنا كل شيء، فقد ارتكبنا الكثير من الأخطاء، ووقعنا في عثرات لا تُحصى.
كانت رحلة مهنية أعتز بكل تفاصيلها، واجهنا فيها تحديات جسيمة، منها ما نجحنا في تخطيها، ومنها ما أخفقنا أمامها.. ضمن بيئة عمل غنية بالكفاءات، تعلمت من زملائي الكثير، وتشاركنا معاً أجمل الذكريات.
أمضيت ثلاثين سنة في العمل الوظيفي متنقلاً من قرضٍ إلى قرض، وانتهيت مديوناً، وهأنذا أغادر موقعي في مرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد؛ حيث يعيش أهلنا في غزة مأساة رهيبة بكل تفاصيلها، وفي الضفة الغربية يتواصل إرهاب المستوطنين، ويشتد الحصار على السلطة حتى يكاد يخنقها، والموظفون منذ أربع سنوات يتقاضون أشباه رواتب، تُقضم رواتبهم شيئاً فشيئاً حتى بلغت الربع.
خلال تلك السنوات تغير العالم جذرياً مرات عديدة، وكل شيء انقلب رأساً على عقب، والحروب أفسدت حياتنا.. نتنياهو يعربد، وترامب يتوعد، ومضيق هرمز مغلق.. مع كل ذلك ما زلنا صامدين فوق أرضنا.
أغادر الوظيفة الرسمية بالعودة الأجمل والأهم: للبيت والعائلة، معاً سنبني عالمنا الخاص، وسنفتح كل المضائق والآفاق.. بالحب والأمل سننهي كل المراحل السابقة، وسنبدأ بأُخرى جديدة.