" عندما يكون شيخ العقل.. قائداً إدارياً.. يوسف جربوع نموذجاً"
عامر الخطيب
" عندما يكون شيخ العقل.. قائداً إدارياً.. يوسف جربوع نموذجاً"
الكوفية ثمة أرواح تُولد وقد أودع فيها القدَر سرّاً من أسراره الكبرى، أرواح لا تكتفي بالوجود المجرد، بل تسعى دائماً إلى أن تكون فاعلةً في دوائر الحياة، نابضةً في شرايين المجتمع، حاضرةً حضور الشجرة التي تمدّ ظلالها للمسافر وثمارها للجائع وجذورها للأرض الممتدة في صمت عميق تحت السطح، وإن سألتَ عن معنى القيادة في زمن باتت فيه الألقاب تُمنح كما تُمنح الأوسمة في حفلات المجاملة، فإن الإجابة لن تجدها في الكتب والمناهج وحدها، بل ستجدها مجسّدةً في نماذج بشرية تحمل بين جنبيها تجربةً حيّة، ومسيرةً واقعية، وإرثاً من الفعل المثمر الذي يُقاس أثره لا بما قيل، بل بما تغيّر على أرض الواقع.
وبعد ما يزيد على "ثلث" قرن كرجل قانون، وأكثر من "ربع" قرن في العلاقة شبه اليومية مع الدوائر والمؤسسات الرسمية كمحامٍ، وحوالي العشرة أعوام في مؤسسة دار طائفة الموحدين الدروز ... مكتب الاوقاف العام ... أسمح لنفسي فهم وقراءة رجل الإدارة المميز والقدوة في إدارة ونجاح المؤسسة أو المنظمة التي يتولى قيادتها.
في هذا السياق يقفز إلى ذهني اسم يوسف جربوع "شيخ عقل الموحدين الدروز " في الجمهورية العربية السورية، ذلك الرجل الذي لا يحمل ثقل منصبه عبئاً يرهق كاهله، بل يحمله رسالةً ترتقي به وتجعله أداةً في يد التاريخ لتشكيل مستقبل أكثر عدلاً وأجمل وجهاً وأعمق وعياً، وحين نتأمل مسيرته، فإننا لا نتأمل سيرة فرد فحسب، بل نتأمل معادلةً إنسانية متكاملة تجيب عن سؤال قديم متجدد ... من هو القائد الإداري الحقيقي في زمن أصبحت فيه إدارة المؤسسات أشبه بفن من الفنون الرفيعة التي تتطلب موهبة وعلماً وصبراً وبصيرة؟
أولاً - حين تكون الثقة بالنفس فضيلةً لا غروراً.
قد يخلط كثيرون بين الثقة بالنفس والغرور، ظناً منهم أن من يثق بقدراته هو من يرفع رأسه فوق مستوى الجميع ولا يرى إلا نفسه، غير أن الثقة الحقيقية هي ذلك الاتزان الداخلي الذي يجعل القائد راسخاً كالجبل حين تعصف بمن حوله رياح الأزمات، هادئاً كسطح البحر في الفجر حين تتلاطم في عمقه أمواج القرارات الصعبة، يوسف جربوع يمتلك من هذه الثقة ما يجعله نموذجاً يستحق القراءة والتأمل، فهو لا يتسرع في الحكم على الأمور، ولا يتخذ قراراته تحت وطأة الانفعال أو ضغط اللحظة، بل يأخذ من الزمن ما يكفيه من التروي، ثم يمضي في طريقه بخطى محسوبة يعرف أين تقع وأين تصل.
وهنا تحضرني مقولة أنطونيو غرامشي التي طالما داعبت تفكيري .. "المثقف العضوي ليس من يعرف كل شيء، بل من يعرف موقعه في البنية الاجتماعية ويفعّل هذا الموقع خدمةً للعموم" وما يوسف جربوع إلا نموذجاً لهذا المثقف العضوي الذي وجد في إدارة "دار طائفة الموحدين الدروز" مركزها السويداء، مجالاً للتأثير الحضاري لا مجرد سلطة تُمارَس وامتيازات تُستهلك؟
وان الاتزان الانفعالي الذي يتحلى به لا يعني الجمود أو البرود، بل يعني القدرة على أن تبقى واعياً لمشاعرك دون أن تكون رهينةً لها، وأن تحوّل العاطفة إلى محرك للفعل الإيجابي لا إلى عائق أمام التفكير السليم وهذا ما نلمسه في طريقة تعامله مع مرؤوسيه حين تضيق بهم السبل، إذ يجد في حضوره القيادي ما يشبه المرساة التي تثبّت السفينة حين تعصف العواصف.
ثانياً - النزاهة.. حين يكون القائد مرآة لمن يقود.
لو أردنا أن نجسّد النزاهة في صورة بصرية بلغة الفنان التشكيلي، لرسمنا خطاً مستقيماً يمتد من نقطة الانطلاق إلى الأفق دون التواء أو انكسار، خط يعرف غايته ولا يحيد عنها مهما تعرض له من إغراءات الانحراف، فالنزاهة في القيادة ليست مجرد التزام شكلي بالقوانين واللوائح، بل هي حالة وجودية يعيشها القائد في كل لحظة، حين يكون صادقاً مع نفسه أولاً، ثم صادقاً مع من يقود، ثم أميناً على المؤسسة التي يحمل أمانتها على عاتقه.
يوسف جربوع، بما عُرف عنه من التزام روحي وأخلاقي ومهني راسخ، يجسّد هذه الصورة بامتياز، فهو يؤمن أن القائد الذي يفقد نزاهته يفقد جوهره، ويصبح شكلاً بلا روح، ومنصباً بلا معنى، وقد قال إدوارد سعيد يوماً إن المثقف الحقيقي هو من يقول الحق للسلطة لا من يردد ما تريد السلطة سماعه، وبالقياس نفسه، فإن القائد الحقيقي هو من يلتزم بما يؤمن به حتى حين يكون الالتزام مكلفاً، لا من يتكيّف مع الرياح أنّى اتجهت.
وحين يكون القائد قدوةً حسنة، فإن ذلك لا يعني الكمال المطلق أو العصمة من الخطأ، بل يعني الاستعداد للاعتراف بالخطأ وتصحيحه، والتمسك بالمبدأ حين يكون التخلي عنه أسهل، هذا ما يجعل يوسف جربوع مرآةً لفريق عمله، فحين يرون فيه صدق العمل وإخلاص النية وشجاعة الموقف، يجدون في أنفسهم دافعاً للتأسي لا يمكن لأي تحفيز مادي أن يصنعه.
ثالثاً - المبادرة.. أن تُضيء شمعة بدلاً من أن تلعن الظلام.
قال الشاعر المتنبي في ومضة شعرية لا تزال تتألق عبر القرون ...
"وما الحياةُ إذا لم يُقدِم المرءُ على ما يجعل الأيام في يده".
فالمبادرة ليست تسرعاً ولا اندفاعاً، بل هي تلك اللحظة الفارقة حين يختار القائد أن يحرك السكون، أن يكسر قيد الانتظار، وأن يُطلق إرادة الفعل من أسر الخوف والتردد، وهي في حقيقتها شجاعة مزدوجة، شجاعة الاقتراب من المجهول، وشجاعة تحمل مسؤولية النتائج بكل ما تحمله من مواجع ومكاسب.
يوسف جربوع يعرف أن المؤسسات التي تنتظر أن يُحلّ مشاكلها من الخارج هي مؤسسات تحمل في تكوينها خطر زوالها وتنتظر نعشها، وأن الحل والتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من خلية واعية، ومن قرار شجاع، ومن مبادرة تنفض عن الجسد المؤسسي غبار الروتين وركود الاعتياد والإتكال، ولهذا نجده دائماً من الذين يقترحون قبل أن يُسألوا، ويفعلون قبل أن يأمروا، ويقدمون الحلول في الوقت الذي يكتفي فيه غيرهم بعرض المشكلات.
وهذه المبادرة، المصحوبة بتحمل المسؤولية، هي ما يُميّز القائد الحقيقي عن صاحب المنصب أو الموظف الذي يعيش بأمان داخل حدود الوصف الوظيفي لا يتجاوزها خطوةً واحدة راكناً مستفيداً من مزايا التشريف قبل مسؤولية التكليف.
رابعاً - الرؤية الاستراتيجية.. فن قراءة الأفق.
ثمة فرق جوهري بين من يرى ما أمامه وبين من يرى ما لم يأتِ بعد ... الأول يدير، والثاني يقود ... الإدارة تعني التعامل مع ما هو موجود بكفاءة، أما القيادة فتعني استحضار ما لم يوجد بعد وإيجاد الطريق إليه، والرؤية الاستراتيجية هي تلك القدرة الاستثنائية على الوقوف على قمة اللحظة الراهنة ورؤية الأفق الممتد أمام المؤسسة أو المنظمة بما فيه من فرص لا تزال كامنة وتحديات لا تزال مستترة.
سماحة الشيخ يوسف جربوع يمتلك هذه الهبة التي لا تُعطى لكل شخص، القدرة على أن يرى في الواقع الراهن ملامح المستقبل، وأن يُترجم هذه الملامح إلى خطط ومسارات وأهداف قابلة للتنفيذ والتحقيق، وحين تجلس معه في نقاش مؤسسي، فإنك تُدرك أنك أمام عقل لا يفكر بالأسبوع القادم فحسب، بل يفكر بالسنوات القادمة ويُهيّئ لها الأرضية من الآن.
وهذا ما يُذكّرني بمفهوم "العقل الاستراتيجي" الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني هيغل حين قال إن العقل الذي يُدرك الكلي في الجزئي، والمستقبل في الحاضر، هو العقل الذي يصنع التاريخ لا الذي يشهده فحسب ... وما القائد الاستراتيجي إن لم يكن صاحب هذا العقل الذي يُطوّع الزمن بدلاً من أن يكون ضحيته وألعوبة مع تقلباته؟
خامساً - اتخاذ القرار.. حين تقف وحيداً في الميزان.
لا يوجد في الإدارة موقف أشد وطأةً وأثقل حملاً من لحظة اتخاذ القرار، تلك اللحظة التي يقف فيها القائد وحيداً أمام الخيارات المتشعبة، يزن ما بينها من مسافات وعواقب، ويحمل على كتفيه مسؤولية التداعيات التي ستلقي بظلالها على أرواح بشرية وشرائح اجتماعية وموارد مادية ومصائر مؤسسية، وما أكثر من يتحلى بصفات القيادة في أوقات الهدوء، ثم تتهاوى صورتهم حين تقرع طبول الأزمات وتُستدعى القرارات الصعبة.
يوسف جربوع من النوع الذي لا يهرب من ثقل القرار إلى حيث الأريحية والسلامة (على الرغم من استهدافه وما يتعرض له من افتراءات) بل يواجه هذا الثقل بمنهجية واضحة(مهما كانت تداعيات الموقف قاسية ومؤلمة) يجمع المعلومات الكافية، يستمع لوجهات النظر المتعددة، يلتقي أصحاب الرأي والاختصاص، يحلل البدائل المتاحة، ثم يمضي في اختياره بثقة الواثق لا بعجلة المتسرع، وهو يُدرك، كما أدرك غيره من كبار القادة، أن القرار المتأخر قد يكون أسوأ عواقب من القرار المبكر الناقص، لأن في التأخير نوعاً من القرار السلبي الذي يُسلم زمام الأمور للصدفة والمجهول.
وأجمل ما في طريقته أنه لا يتعامل مع القرار كغنيمة انفرادية أو سلطة احتكارية، بل يُشرك في صنعه من يملكون الوعي والمعرفة والخبرة والدراية، دون أن يتخلى عن مسؤولية النتيجة النهائية، محمّلاً إياها على عاتقه وحده كما يليق بقائد حقيقي.
سادساً - التنظيم والتفويض.. موسيقى الفريق المتناغم.
حين يرسم الموسيقار سيمفونيته العظيمة، فإنه لا يعزف كل الآلات بنفسه، بل يوزع الأدوار ويُنسّق بين الأصوات المختلفة ليصنع من تعددها وحدةً جمالية تُبهر السمع وتسمو بالروح. وهكذا القائد الإداري الذي يُدرك أن عبقريته لا تكمن في أن يفعل كل شيء بنفسه، بل في ... أن يعرف من يفعل؟ ... وماذا ومتى وكيف؟
يوسف جربوع يمتلك حاسة إدارية نادرة في اكتشاف الكفاءات وتوظيفها في مواضعها الصحيحة، كمن يضع الكلمة الصائبة في موضعها الدقيق من الجملة فتُضيء المعنى وتُكمل البنيان، وحين يُفوّض مهمة لأحد مرؤوسيه، فإنه لا يتخلى عنها بل يمنحها رعايته من بعيد، لا يتدخل في التفاصيل ولا يُشوّش على المسؤول المباشر، لكنه يبقى حاضراً حضور الموجّه الراعي حين تستدعي الضرورة.
وهذا النوع من التفويض المقرون بالمتابعة الذكية هو ما يُنشئ داخل المؤسسة ثقافة الاعتماد المتبادل وتوزيع المسؤولية بدلاً من تمركزها في يد واحدة، ثقافة تصنع قادة مستقبليين لا مجرد تابعين ينتظرون الأوامر محكومين بختم انتهاء الصلاحية وانتهاء المهمة.
سابعاً - التواصل الفعال.. جسر المعاني بين القلوب والأذهان.
قال الشاعر نزار قباني يوماً ما معناه إن الكلمة إذا خرجت من القلب وصلت إلى القلب، أما إذا خرجت من اللسان وحده فإنها تدق الأذن ثم تمضي دون أن تترك أثراً. ويوسف جربوع يُدرك هذه الحقيقة الجوهرية في التواصل، فهو لا يكتفي بنقل المعلومات بل يحمل معها المعنى، ولا يكتفي بإصدار التعليمات بل يبثّ فيها الروح التي تجعل المتلقي يشعر أنه شريك لا مجرد منفّذ.
والاستماع عنده فضيلة روحية قيادية لا تقل أهمية عن الكلام، فهو من الذين يسمعون بكل جوارحهم، يُعطون المتكلم انتباههم الكامل، ويجعلونه يشعر أن ما يقوله له قيمة وأن وجوده محلّ تقدير، وهذه الحساسية في الاستماع هي ما يصنع الفارق بين القائد الذي يتواصل حقاً وبين من يدير اجتماعات بلا أرواح ونقاشات بلا معنى.
فضلاً عن ذلك، يُتقن يوسف جربوع فن الشفافية المحسوبة، أي القدرة على مشاركة المعلومات بالقدر الذي يُعزز الثقة ويُشجع على الفهم، دون أن يُفضي إلى إرباك أو قلق غير مبرر، وهذه الشفافية هي ما يجعل فريق عمله يشعر بالانتماء للمؤسسة ويتماهى مع رؤيتها وأهدافها.
ثامناً - الذكاء العاطفي.. حين يفهم القائد ما لم يُقَل.
ثمة لغة صامتة تسري في أروقة المؤسسات وبين صفوف العاملين، لغة لا تُكتب في وثائق ولا تُقال في اجتماعات، لكنها تتشكّل من مجموعة مشاعر الناس وهواجسهم وطموحاتهم وخشيتهم وأملهم، وان القائد الذي يقرأ هذه اللغة يمتلك كنزاً لا يُقدّر من الفهم الإنساني الذي يجعله أقدر على التأثير والتوجيه والإلهام.
سماحة الشيخ يوسف من هؤلاء النادرين الذين وهبهم القدر ملَكة الإحساس بمن حولهم، يلتقط التوتر قبل أن يتحول إلى أزمة، ويستشعر الإحباط قبل أن يتحول إلى يأس، ويرى في عيون من حوله وموظفيه ما لم يجرؤوا على البوح به بألسنتهم، وهذا الذكاء العاطفي ليس نعمة وجدانية فحسب، بل هو أداة إدارية فعلية تُمكّن القائد من التدخل في الوقت المناسب، وقول الكلمة الصائبة في اللحظة التي تكون فيها لها أعظم الأثر.
ولعل في سيرة يوسف جربوع ما يُؤكد أن كبار القادة يُدركون أن موارد المؤسسة الحقيقية هي بشرها وناسها لا أصولها المادية، وأن الاستثمار في الروح الإنسانية يُعطي عوائد أعظم من الاستثمار في الأجهزة والمعدات.
تاسعاً - التفكير الإبداعي.. ثورة هادئة على ما هو مألوف.
قال دوستويفسكي في إحدى رواياته ما مفاده أن الجمال سينقذ العالم، وأنا أرى أن الإبداع هو الجمال في معطفه المؤسسي، ذلك الإبداع الذي يرفض الركون إلى ما هو مألوف ويُصرّ على البحث عما هو أفضل وأجدى وأكثر ملاءمةً لمتطلبات المرحلة، والقائد المبدع لا يخشى أن يسأل، ولماذا نفعل الأمور هكذا؟ ولا يخجل من أن يقترح، دعونا نجرب طريقة لم نجربها من قبل.
يوسف جربوع يحمل في عقله تلك الجرأة الإبداعية التي تجعله لا يستسلم لأسر الروتين ولا يُسجن في قيود الاعتياد، فهو يُشجع مرؤوسيه على التجريب، ويمنحهم مساحة للخطأ التي هي بداية كل تعلم حقيقي، ويُعلّمهم أن الفشل الذي يتعلمون منه درساً هو نجاح مؤجّل لا هزيمة نهائية.
وهذا المناخ الإبداعي الذي يصنعه بوعي وحكمة هو ما يُبقي المؤسسة حيّة متجددة، قادرة على مواكبة التحولات والتكيّف معها دون أن تفقد جوهرها وهويتها.
عاشراً - إدارة الوقت.. أن تملك الزمن قبل أن يملكك.
الزمن في رأي القائد الحقيقي ليس مجرد تسلسل لساعات وأيام، بل هو النسيج الذي تُنسج فيه الإنجازات وتُبنى الرؤى وتُترجم الأحلام إلى واقع، وإدارة الوقت ليست مجرد تنظيم جداول وتحديد مواعيد، ومراقبة دوام، هي فلسفة في التعامل مع أثمن الموارد الإنسانية، الوقت الذي حين يضيع لا يعود ولا يُعوّض.
يوسف جربوع يُدرك أن الأولويات هي مفتاح هذه المعادلة، فهو لا يُجهد نفسه وفريقه في العاجل على حساب المهم، ولا يسمح للتفاصيل الصغيرة أن تسرق الجهد من الاستحقاقات الكبرى، وهو بذلك يُعلّم من حوله درساً يتجاوز الإدارة إلى الحكمة، أن الحياة المؤسسية كالحياة الشخصية، تستحق أن تُوزّع فيها الطاقة بوعي ودراية حتى لا يُهدر الأثمن في سبيل الرخيص.
خلاصة القول.. شيخ العقل في صورة القائد.
في نهاية هذه الرحلة الفكرية مع ملامح القيادة الإدارية ممثلةً في يوسف جربوع شيخ عقل الموحدين الدروز، أجدني أقف أمام صورة متكاملة لإنسان اختار أن تكون القيادة رسالةً لا مغنماً، وأن يكون المنصب مسؤوليةً لا مكانة، وأن يكون الفريق من حوله شركاءَ في الهدف لا أدواتٍ في يد السلطة.
إن القائد الحقيقي، كما جسّده يوسف جربوع، هو ذلك الشيخ العقلي الذي تتلمذَتْ على يديه الخبرة وتربّتْ في كنفه الأجيال، شيخ لا تُقاس مشيخته بالسنوات بل بعمق الأثر وسعة العطاء واتساع المعرفة، وحين يكون شيخ العقل قائداً إدارياً، فإن المؤسسة التي يتولى قيادتها لا تسير وحدها بل تُبحر، وما من إبحار حقيقي إلا بالنجوم التي تُضيء وبالربّان الذي يعرف كيف يقرأها.
وكما قال محمود درويش يوماً بما معناه ... "نحن ملح هذه الأرض فلا تتركوها تفقد طعمها" ... فإن القادة من أمثال يوسف جربوع هم ملح الحياة الروحية والمؤسسية الذين يمنعون المجتمع من أن يفقد طعمه وقيمته وإحساسه بالغاية والمعنى ولو على حسابهم الشخصي.
دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا.