تشريع الموت.. قراءة حقوقية وقانونية في قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
رائد ناجي
تشريع الموت.. قراءة حقوقية وقانونية في قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين
الكوفية في سياق مشحون بالتوترات السياسية والقانونية، يبرز إقرار كنيست الاحتلال لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بوصفه تحولا خطيرا في بنية التعاطي مع ملف الأسرى، لا من زاوية إجرائية فحسب، بل من حيث دلالاته العميقة على مستوى المنظومة الحقوقية والقانونية. فهذا القانون، في جوهره، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للاحتلال، حيث تتقاطع السلطة بالقوة، ويتراجع القانون أمام إكراهات السياسة.
من الناحية الحقوقية، يثير هذا التشريع إشكالية مركزية تتعلق بالحق في الحياة، الذي يعد حجر الزاوية في منظومة حقوق الإنسان. فالحق في الحياة ليس مجرد مبدأ أخلاقي، بل قاعدة آمرة في القانون الدولي، لا يجوز الانتقاص منها إلا في أضيق الحدود وضمن شروط صارمة للغاية. غير أن ما يطرحه هذا القانون يتجاوز هذه الحدود، إذ ينقل الإعدام من كونه إجراء استثنائيا، إلى أداة سياسية قابلة للتوظيف في سياق نزاعي. وهنا، تتبدى الخطورة في تحويل الحق في الحياة إلى مجال للتأويل السياسي، بما يقوض الأساس الذي تقوم عليه الشرعية الحقوقية.
أما من الناحية القانونية، فإن وضع الأسرى الفلسطينيين تحت طائلة هذا القانون يثير تساؤلات جدية حول صفتهم القانونية. فهؤلاء الأسرى، في غالبيتهم، يقعون ضمن تعريف الأشخاص المحميين بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيما الاتفاقية الرابعة، التي تنص بوضوح على ضرورة توفير ضمانات قضائية عادلة، وتحظر العقوبات الجماعية أو الإجراءات الانتقامية. إن إقرار عقوبة الإعدام في هذا السياق يفتح الباب أمام شبهة الإخلال بهذه الالتزامات، خاصة إذا ما ارتبط بمحاكمات تفتقر إلى معايير العدالة الدولية.
ولا تقف الإشكالية عند حدود النص القانوني، بل تمتد إلى آليات تطبيقه. إذ إن أي نظام قانوني يفقد قيمته حين تتحول إجراءاته إلى أدوات بيد السلطة التنفيذية. وفي حالة قانون إعدام الأسرى، تبرز مخاوف حقيقية من تسييس القضاء، حيث قد تخضع قرارات الإعدام لاعتبارات أمنية أو ضغوط سياسية، بدلا من أن تستند إلى معايير موضوعية مستقلة. وهنا، يصبح القضاء، بدل أن يكون حارسا للحقوق، جزءا من منظومة السيطرة.
إلى جانب ذلك، يثير القانون مسألة التناسب، وهي من المبادئ الأساسية في القانون الجنائي الدولي. فالعقوبة، لكي تكون مشروعة، يجب أن تكون متناسبة مع الفعل المرتكب، وأن تراعي الظروف المحيطة به. غير أن تطبيق عقوبة الإعدام في سياق صراع سياسي معقد، حيث تتداخل الأبعاد الوطنية والإنسانية، يجعل من الصعب الحديث عن تحقق هذا المبدأ. بل إن الإعدام، في هذه الحالة، قد يبدو أقرب إلى عقوبة مطلقة، تتجاهل السياق وتختزل الفعل في بعده الجنائي الضيق.
كما أن هذا التشريع يضع الاحتلال أمام اختبار حقيقي في علاقته بالمنظومة الدولية. فالدول التي لا تزال تطبق عقوبة الإعدام تواجه انتقادات متزايدة، فكيف الحال بسلطة احتلال تفرض هذه العقوبة على شعب واقع تحت سيطرتها؟ إن هذا التناقض يعمق الفجوة بين الخطاب القانوني الذي يسعى الاحتلال إلى تسويقه، وبين الممارسة الفعلية على الأرض. وهو ما قد يفتح المجال أمام تحركات قانونية دولية، سواء عبر الهيئات الأممية أو المحاكم المختصة.
وعلى مستوى الأسرى أنفسهم، لا يمكن إغفال الأثر الحقوقي والنفسي المترتب على هذا القانون. فمجرد وجود نص يجيز الإعدام يخلق حالة دائمة من القلق الوجودي، ويقوض الإحساس بأي حماية قانونية. وهنا، يتحول القانون من أداة لتنظيم الحياة، إلى مصدر تهديد دائم لها. ومع ذلك، فإن التجربة الفلسطينية تشير إلى أن هذا النوع من القوانين، رغم قسوته، لا ينجح بالضرورة في كسر الإرادة، بل قد يسهم في إعادة إنتاج خطاب الصمود، حيث يصبح التمسك بالحق في الحياة شكلا من أشكال المقاومة.
في المحصلة، يكشف قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عن أزمة عميقة في العلاقة بين القانون والسلطة في سياق الاحتلال. فهو، من جهة، يقوض المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، يثير شكوكا جدية حول مدى التزام الاحتلال بالقانون الدولي. وبين هذين البعدين، يظل الأسرى الفلسطينيون في مواجهة واقع قانوني مأزوم، حيث تتراجع الضمانات، وتتقدم حسابات القوة. وهكذا، لا يبدو هذا القانون مجرد نص تشريعي، بل علامة فارقة على انزلاق خطير، قد تتجاوز تداعياته حدود اللحظة، لتطال مستقبل العدالة ذاتها في هذا الصراع.