مقال شخصي جداً..!
أكرم عطا الله
مقال شخصي جداً..!
الكوفية نعم الحياة لم تعد تشبهها وليست هي التي كانت، وأنا لم أعد أنا لكثرة ما فقدت بعد أن تساقط كلُ مَن أُحب أمامي في هذه الحرب، تاركين القلب فارغاً إلا من الذكريات التي تزور كلسعة أفعى، أدركت كيف يعيش المرء حين تصفرّ الحياة كخريف بلا ألوان ولا مطر، عاريةً من رائحة عشبها ذات ربيع، ولا سماء تعشش فيها أحلام صيف وتمضي بلا هدف ولا أمل بالغد.
أعترف أنني أكثر هشاشةً مما كنتُ أعتقد عني، فقد كسرني الفقد كجرة الماء الصغيرة كما يقول شاعرنا الكبير. أتطلع حولي وأسأل: أينهم كلهم، فلم يبق من الأهل والأصدقاء سوى القليل جداً، انتهى مجتمعي الصغير ودائرتي التي تحيطني بالحياة، وكنت أعيرها ما فاض من الحب، أولئك الذين حجزت لهم قلبي بيوتاً غادروا جميعاً ليتركوه للجفاف.
كنتُ أعتقد أننا الذين نكتب في السياسة قد تبلدت مشاعرنا، فالحروب مجرد أحداث نبحث ما بعدها، والضحايا بالنسبة لنا مجرد أرقام تتحول لأسهم في بورصة السياسة، هذا كان شعوري قبل الحرب، مرةً قلت لصديقي الشاعر أحمد يعقوب الذي وجدته ذات صباح يتأبط جريدته على الرصيف المقابل لبنايات المقوسي التي تحولت لركام، لأقلّه في سيارتي حين بدأ حديثه عن ترجمات لوركا شاعر أسبانيا الكبير قلت له: أنا أغبطك يا صديقي، أنت تكتب عن الوردة وعن العصفور وعن رائحة الحب، وعن ابتسامة الفتيات وعن الحلم والخيال العاطفي، أما نحن الذين ابتلينا بالكتابة عن السياسة فقدنا أحاسيسنا، ولم يعد الموت سوى أرقام بالنسبة لنا واستثمار على طاولة المفاوضات، فقد ماتت أحاسيسنا، لكن في هذه الحرب، وعن حجم خساراتي، اكتشفت أنني أكثر ضعفاً من الشعراء فانكسرت.
في هذه الحرب اكتشفت أن مستوى مَن كان يقرر مصيرنا أقل كثيراً من روضة أطفال، يعتقد أن إدارة الشعوب مجرد لعبة يمكن أن يجرب بها هواياته الطفولية، قبل أن يكسرنا جميعاً أفراداً وجماعات، يكسرنا سياسياً وعاطفياً وانسانياً لمجرد أنه كان يحلم، فإذ به يأخذنا إلى مغامرة أكثر من قدرتنا على فهمها وتحمل عواقبها ونسيان فداحتها لأجيال قادمة. فهل أنسى أقرب من أحببت ورافقت وسامرت وعانقت وشاركت في التفاصيل الصغيرة؟ يوجعني كل شيء كل مساء، وقبل الخلود أن أمر على صورهم وأصواتهم وملامحهم المطبوعة في الذاكرة، وكل صباح حين أفيق معتقداً أنني سأهاتفهم وأسمع صوتهم، ولم يقنعني الزمن ككل الضعفاء أن الأمر انتهى، وأن صورهم غابت للأبد ... لست مؤهلاً بعد لفهم ذلك.
لست معتاداً أن أكتب عني ولا عن ذكرياتي ولا آلامي وأسرتي، والفجائع التي حاصرت الحياة وجروح الروح، فهذه أمور لا علاقة لها بقارئ لا ذنب له كي يستمع لبكائيات يبدو أنها أصبحت جزءاً من وجع القلب. لكنني أشعر أن من حق كل هؤلاء الذين تمت المغامرة بهم أن أدلق حزني على صفحات الجريدة، لأن الحزن الشخصي الخاص اختلط بالعام وبالوطني، فكل فلسطيني من غزة أصيب بضربة تسببت في انكسار الروح لن يشفى منها للأبد... وللأبد... هذا ما كتبه القدر حين استدعى أكثرنا بساطةً ليقرر استدراج آلة الإعدام الجماعي، وجر الجيش الفاشي ليسحقنا، عندما اعتقد أن إدارة الشعوب لا تتطلب أكثر من شعارين ومقولتين وحديثين، تكفي لتغيير مسار التاريخ أو اختصار رحلته، قبل أن يكتشف أن هناك بعضاً منا يجب الحذر من السماح له بالعمل السياسي، لأنه يشكل خطورةً لا تقل عن خطورة إسرائيل، بل يفرش لها طريق موتنا.
تحولت الحياة إلى صور معلقة على جدار الذاكرة النازفة، حنيناً لكل من كانت أنفاسهم ترش الشوارع بماء الورد، ومن كانوا عالماً لا يتوقف عن الحب في شوارع لم يعد بها سوى الحنين لماض، كان بالأمس مجرد حاضر ينسلّ من بيننا قبل أن يأخذ أجمل ما فينا من الأهل والرفاق، وما فاض من ضحكات كانت تنساب بلا حساب على عتبات بيوت سُويت بالأرض أحياناً.
أقول، قد تكون في ذلك حكمة حتى لا نرى نفس الأماكن يتيمة ممن اعتدنا على أنهم جزء من المكان، وكانوا يملؤونها بكل ما أتتهم الحياة من فرح قبل أن تنطفئ.
ظل السؤال الحائر كيف يستمر بالحياة من فقدوا الأبناء والأحبة؟ كيف يأكلون ويشربون ويمشون على الشوارع وكيف يبتسمون؟ إلى أن أصبت بوجع الفقد لأُدرك أن كل الأصدقاء المكلومين وأهالي الشهداء كانوا مُرغمين على التعايش بروح منطفئة وبقلوب مكسورة. تمضي بهم الحياة بعد أن فقدوا كل مصدّاتها، واستسلموا لقسوتها وجبروتها وخيانتها المعدة سلفاً/ والتي تخون بلا مقدمات أو استئذان .
من عائلتي لأبي عائلة عطاالله فقدت كثيرين من أبناء العمومة القريبة وأبنائهم، ومن عائلتي لأمي عائلة عكاشة فقدت أكثر من تبقّى من الأحبة. أما الضربة الكبرى فكانت ممن فقدت من أهل زوجتي الثمانية وأربعين فرداً بضربة واحدة، الأب والأم والأخوة والأخوات الأحفاد والحفيدات لتخرج زوجتي وحيدة في هذا العالم. وفي اللحظة التي سمعت بخبر الضربة، أدركت أننا سنمضي العمر بمأتم مفتوح في البيت إلى أن يشاء الله، ليس لسبب سوى لأن من قرّر أن يصب جهله على شعبنا .... يا لهذا القدر.