نشر بتاريخ: 2026/03/01 ( آخر تحديث: 2026/03/01 الساعة: 19:07 )
بقلم شريف الهركلي

حين تتمزق الخيوط… يسقط الوطن

نشر بتاريخ: 2026/03/01 (آخر تحديث: 2026/03/01 الساعة: 19:07)

الكوفية في لحظة تأمل صادقة، يكفي أن ننظر إلى بيت العنكبوت المعلّق بين غصنين لندرك مفارقة لافتة. يبدو هشًّا، يكاد يسقط مع أول نسمة ريح، لكنه في حقيقته متماسك بخيوط دقيقة متشابكة.

3سرّ قوته ليس في سماكة خيوطه، بل في ترابطها. أما نحن، في الحالة الفلسطينية والعربية، فقد أصبحنا أضعف من بيت العنكبوت، لأن خيوطنا تتمزق بأيدينا.

لسنا أضعف لأن خصومنا أقوى فقط، بل لأننا فشلنا في نسج شبكة واحدة تجمعنا. في فلسطين، لم يعد الانقسام خلافًا سياسيًا عابرًا، بل تحول إلى واقع يومي ينهش في الجغرافيا والوعي معًا. تعددت المرجعيات، وتضاربت الحسابات، وضاعت البوصلة بين سلطة تخشى خسارة نفوذها، وفصيل يخشى تراجع حضوره، وشعب يدفع الثمن صامتًا. كل طرف ينسج خيطه منفردًا، ثم يتساءل لماذا لا تقوم شبكة تحمي الجميع.

وحين نوسّع الدائرة عربيًا، تبدو الصورة أكثر قسوة. دول بثروات هائلة، وإعلام عابر للحدود، لكنها تفتقد الإرادة المشتركة. تحالفات تُبنى على الخوف لا على الرؤية، ومواقف تُصاغ بردّ الفعل لا بالفعل. في القضايا المصيرية، تختزل الأمة في بيانات شجب أو صمت ثقيل، فيما تتراكم الخسائر بصمت أشد إيلامًا من الضجيج.

المأساة ليست في قلة الإمكانات، بل في غياب المشروع الجامع. بيت العنكبوت يصمد لأن خيوطه تتكامل، لا تتصارع. أما نحن، فنهدر طاقاتنا في معارك جانبية، ونستهلك خطابنا في تبادل الاتهام، بينما يتقدم الآخر مستفيدًا من شروخنا العميقة. حين تتقدم المصلحة الفئوية على المصلحة الوطنية، يتحول الوطن إلى ساحة تجاذب، لا إلى قضية جامعة.

في فلسطين، يسقط الوطن كلما تأجلت المصالحة، وكلما أصبح الانقسام أمرًا اعتياديًا. يسقط حين يفقد المواطن ثقته في الخطاب والوعود، وحين يشعر أن صوته خارج الحسابات. وفي العالم العربي، يسقط حين تتحول القضايا الكبرى إلى أوراق تفاوض موسمية، بلا استراتيجية تحمي الأرض والكرامة.

ليست هذه الكلمات جلدًا للذات، بل محاولة إنقاذ قبل السقوط الكامل. فالوطن لا ينهار فجأة؛ ينهار تدريجيًا، مع كل خيط يتمزق، ومع كل فرصة تضيع، ومع كل صمت عن خلل واضح. قوة الشعوب في وحدتها، وكرامتها في قدرتها على تقديم المصلحة العليا على ما سواها.

حين تتمزق الخيوط… يسقط الوطن.

والخيار ما زال بأيدينا: إما أن نعيد نسج خيوطنا بإرادة صادقة، أو نترك الريح القادمة تكمل ما بدأناه نحن.