نتنياهو والزي الهندي… حين ترتدي السياسة ثوب الرمزية الجهنمية
نتنياهو والزي الهندي… حين ترتدي السياسة ثوب الرمزية الجهنمية
الكوفية أثار ظهور رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرتديًا الزي الهندي التقليدي خلال لقائه برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في عشاء مشترك، جدلًا سياسيًا يتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي. فالصورة التي نشرتها قناة I24NEWS لم تكن مجرد مشهدٍ سياحي ثقافي، بل رسالة سياسية متعددة الطبقات، تحمل في داخلها أبعادًا جيوستراتيجية ناعمة تشبه الحرب الرمزية الصامتة.
ارتداء نتنياهو الزي الهندي لا يمكن قراءته باعتباره مجاملة ثقافية عابرة، فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تعتمد على الخطاب المباشر فقط، بل على صناعة الرموز. فالثياب في السياسة الدولية ليست قماشًا، بل لغة. وحين يختار قائد سياسي ارتداء لباس دولة أخرى، فإنه يرسل إشارة تقارب تتجاوز الكلمات، محاولةً بناء سردية صداقة استراتيجية تتجاوز ملفات الصراع.
الرسالة الأعمق هنا تتعلق بمحاولة تثبيت محور سياسي متنامٍ بين دولة إسرائيل والهند، في ظل تحولات عالمية تجعل من التحالفات الاقتصادية والأمنية أدوات نفوذ جيوسياسي. فالهند، بصعودها الاقتصادي والعسكري، أصبحت لاعبًا إقليميًا مؤثرًا، بينما تسعى إسرائيل إلى توسيع دائرة الحاضنة السياسية خارج محيطها التقليدي.
لكن البعد الأخطر يكمن في صناعة صورة “الانسجام الحضاري” بين القيادتين، وكأن السياسة تتحول إلى حوار رمزي بين ثقافتين، يتجاوز التوترات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. فالتقاط صورة القائد السياسي بلباس دولة أخرى يحمل محاولة لإعادة تشكيل الوعي العام حول طبيعة العلاقة بين الشعوب، وتحويل التحالف السياسي إلى مشهد عاطفي ثقافي.
في عالم الصراع المعاصر، لم تعد القوة العسكرية وحدها تصنع النفوذ، بل القدرة على إدارة الرموز. والرمز هنا أخطر من السلاح أحيانًا؛ لأنه يتسلل إلى الوعي الجمعي بهدوء، ويعيد صياغة المواقف دون ضجيج سياسي مباشر.
إن المشهد لا ينفصل عن سياق أوسع من التحولات الدبلوماسية التي تسعى إلى بناء تحالفات تقوم على المصالح الاستراتيجية بعيدًا عن ملفات النزاع التاريخي. غير أن السؤال الذي يبقى معلقًا: هل يمكن للرمزية الثقافية أن تطمس جذور الصراع السياسي، أم أنها مجرد قناع ناعم لصراع لم ينتهِ بعد؟
إن السياسة حين ترتدي ثوب الثقافة قد تبدو أكثر دفئًا، لكنها قد تحمل في طياتها جهنمية الرسائل حين تُستخدم لإعادة تشكيل الخرائط الذهنية قبل الخرائط الجغرافية. فبين الزي الهندي وخيوط الصراع في الشرق الأوسط، تقف الحقيقة السياسية عارية تنتظر من يقرأ ما وراء الصورة.