مقلوبة، وخراف مشوية
عبد الغني سلامة
مقلوبة، وخراف مشوية
في مجتمعاتنا، ننظر بدونية تجاه فن الطهي، علماً أنه فن متميز يتطلب إتقانه الخيال والموهبة والقدرة على مزج العناصر، بما يعني تورّط الحواس كلها. بهذا المعنى، لا تختلف خطوات إعداد طبقٍ ما عن أي عمل إبداعي آخر، إذ يضع الطاهي البارع الموهوب بصمة روحه وملامحها في الطبق، فيضفي عليه الخصوصية والجمال والتميز.. اليوم، بات الطهي عِلماً يدرّس في معاهد متخصصة، ومن ينجح فيه يحظى بوظيفة مجزية.. وكُتب الطبخ هي الأكثر مبيعا.. وربما هي الوحيدة التي تدر دخلا على مؤلفيها.
في ثقافتنا الشعبية، نقول «النَّفَس» أهم شيء في الطبخة.. ولكن ما هو «النَّفَس»؟!. بوسع أي شخص استحضار وصفة لطبق شهي، من كتب الطبخ والفيديوهات المصورة على يوتيوب، ثم إتباع الخطوات حرفيا.. لكن هل بالضرورة سيحصل على نفس الطعم والنكهة المميزة؟ في واقع الأمر، الطبخة لا تنجح دائما.. أحيانا يخيب أملنا، ولا نحصل على الطعم المتوقع والمأمول.. وهنا يشكل «النَّفَس» الفارق بين طاهٍ وآخر.. «النَّفَس» هو السر الكامن في التفاصيل، في الإتقان، والصبر، وعدم المبالغة في كثرة البهارات، واختيار الأنواع المناسبة بدقة.. وأحيانا في الاجتهاد الشخصي والخيال والابتكار، والجرأة في الخروج عن المألوف.
التلذذ بالطعام، وتناوله بشهية، من أهم المتع في الحياة، وهو ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات، كما أن تذوقه، رغم بساطته، مسألة صعبة، تتطلب مهارة وتدريبا، وهي حرفة نادرة.
التعفف في الأكل، هو السعادة بالاكتفاء بتناول برتقالة عشاءً.
البساطة هي المهارة في مزج أشياء تبدو متناقضة: بطيخ مع جبنة، بطاطا مع بيض.. أحيانا حبة فلافل، أو صحن مجدرة، أو قلاية بندورة تكون أشهى من خاروف محشي.. فقط إذا اقترنت الحالة بالحب، وأردنا أن نتغلب على منغصات الحياة.
منذ اليوم الأول لزواجنا، كنا متحرريْن من النظرة السلبية تجاه الطبخ، ولم نعتبر يوما أن شؤون المطبخ من اختصاص المرأة.. ليس بدافع الحب والتعاون فقط؛ بل لأني أجد متعة في المطبخ.. أحيانا تنضج في ذهني مقالة قبل أن تنضج المعكرونة في الفرن.. خلود تجيد اختراع أكلات جديدة ومختلفة، وأنا غالبا ما تنجح طبختي حين آخذ بتوجيهاتها.. ومن بين الأكلات التي أزعم أنني بارع بها: «المقلوبة».. كل من تناولها في بيتنا أكّد على ذلك، ربما من باب المجاملة، لكن بعضهم يمكن أن يجامل في أي شيء إلا في المقلوبة.
ذات أمسية، في أحد مقاهي رام الله الجميلة، كنا أنا وخلود، وزياد خداش، وهنادي نتجاذب أطراف الحديث، اقترب منا النادل بخجل، وقال: استمعتُ لبعض حديثكم، واستنتجت بأنكم كتّاب ومثقفون.. فقلنا له: إلى حد ما.. فقال، أعرف كثيرا من الكتّاب، وأخذ يذكر فلان وفلان.. وقلنا له: فعلا هم كتّاب مميزون، ثم أضاف: سمعت عن كاتب مشهور بإعداد المقلوبة، اسمه عبد الغني.. هنا ظننتُ أني أخطأت السمع، فطلبتُ منه أن يعيد الجملة الأخيرة، فكررها.. على الفور، انفجرت منا ضحكة مدوية، امتدت لآخر السهرة.
معقول! أي كاتب يحب أن يسمع ثناءً على كتابه الأخير، أو على مقال مميز، أو يشتهر بقصيدة أو رواية تقترن باسمه... لكن أن يكون مشهورا بالمقلوبة!! من جهتي فرحت لبساطة النادل وتلقائيته، خاصة حين تفاجأ أن من يتحدث عنه هو من يجلس أمامه مباشرة، ويكلمه.
نالت «مقلوبتي» شهرتها، وبعد أن أعددنا منها عشرات الولائم للأصدقاء، وصارت الطبخة الأكثر تكرارا في البيت، بمرور الوقت بدأت تفقد قدرتها على الإدهاش، وبات الأولاد يملون منها، لدرجة أنهم صاروا يمتنعون عن أكلها، ثم فرضوا حظرا عليها، وصرت أشتاق لها مثل أمنية بعيدة.
أشهى وألذ وجبة تناولتها في حياتي كانت في السجن، نعم في السجن، في العام 1991 كانت إدارة سجن «سواقة» ضمن رؤيتها لإعادة تأهيل المساجين قد جهزت مشاغل حرفية ومزارع إنتاجية للخضار والماشية، يشتغل فيها المساجين بأجور زهيدة.. عانت مزرعة الماشية بعض الكساد، فاقترحت الإدارة على المهجع الخاص بالسياسيين شراء ستة خراف، مع إمكانية طهيها في مطابخ السجن.
بالنسبة لنا، رحبنا بالفكرة، واعتبرناها بمثابة تحقيق أمنية.. راسلنا مكتب منظمة التحرير في جبل الحسين وطلبنا تمويل المشروع.. بعد أسبوع، جاء الرد بالموافقة مع شيك بقيمة الخراف وأجرة الطباخين.
كان السجن يضم مطبخا واسعا فيه أحدث الأفران والمعدات، بنظام صحي صارم، ولحسن الحظ كان من بين المساجين «شيف» تركي محترف.
قبل الموعد بيومين، جوّعنا أنفسنا استعدادا لاستقبال الوجبة الألذ.. عصر ذلك اليوم المشهود، دخلت بوابة المهجع ست عربات صغيرة تحمل كل عربة خاروفا مشويا كاملا.. كأنها موكب ملكي، ملأت الرائحة الزكية المكان، واخترقت أعماقنا بلا رحمة، وقفنا بجلال وخشوع نرقب المشهد غير مصدقين، كان منظرا لا يُنسى، بعض الرفاق لم يتذوقوا لحما مشويا منذ عشر سنوات، وبعضهم منذ خمس عشرة سنة، جلود الخراف محمّرة، تنز منها الدهون، من تحتها لحم طري ناضج مشبع بالبهارات حسب الأصول، يذوب في الفم مثل حبة حلوى.
طلب منا أبو صلاح أن يتجمع كل أربعة حول نصف خاروف، كنتُ أنا مع أنيس وهاني والرفيق أبو النوف.. كان أبو النوف أنيقا في مسلكه، متعففا عن الطعام، بالكاد تناول بعض اللحم ثم قام، وبقينا ثلاثة، أكلنا بنهم، هجمنا على الوليمة مثل ذئاب جائعة، كان انتقاما مروعا بكل معنى الكلمة، من الحرمان ومن السجن، ومن الفقر.. بعد نصف ساعة، كانت جميع الخراف قد تحولت إلى كومة عظام.. في ساعة متأخرة من الليل نقلنا هاني إلى مستشفى الكرك بسبب ما أصابه من تلبكّ معوي.. وبقي مذاق اللحم المشوي تحت ألستنا لسنوات طويلة.
بعدها، تناولت مختلف الوجبات، وأشهاها، وظلت تلك الخراف الأشهى والأكثر إدهاشاً، لكنها بمرور الوقت لم تعد مدهشة، أشياء كثيرة فقدت هذا السحر، فمع تطور وسائل الحياة وتعقدها، ومع تدفق الأخبار والصور من كل صوب وحدب، بهذا القدر الهائل من المعلومات صرنا نخسر رونق الدهشة شيئا فشيئا، فلعقولنا قدرات محدودة على الاستيعاب، ولقلوبنا قدرات أقل على تحمل كل هذه الأحزان.. أمام كل هذه التناقضات، أصابت بعضنا الحيرة، وآخرون تاهوا، أو نال منهم الإحباط والتعب.
ملايين الفقراء لا يجدون ما يسد جوعهم سوى القليل القليل، إن كانوا محظوظين.. وأهلنا في غزة يمر عليهم ثالث رمضان وهم في الخيام.. عالم ظالم.