اليوم الخميس 17 أكتوبر 2019م
الأخبارالكوفية

شمال سوريا فى مهب الريح

18:18 - 12 أكتوبر - 2019
حسن أبوطالب
الكوفية:

قبل عقد ونصف العقد، وأثناء مشاركة فى إحدى الندوات فى أنقرة نظمها أحد مراكز البحوث الاستراتيجية، جاءت لنا دعوة لزيارة القسم الشمالى من قبرص، الذى تحتله تركيا العلمانية، آنذاك، منذ 1974 حين أرسلت 30 ألف جندى بزعم حماية القبارصة المسلمين وحقهم فى الاستقلال عن قبرص التى يسيطر عليها القبارصة اليونانيون. ومنذ ذلك الحين أعلنت جمهورية شمال قبرص ولم يعترف بها أحد. وطوال تلك الفترة جرت محادثات كثيرة تحت إشراف الأمم المتحدة من أجل توحيد شطرى قبرص، ولكنها كانت تفشل وتعود الأمور إلى المربع الأول. الأمر برمته كان تدبيراً تركياً من أجل أن يكون لها موقع مهم ومؤثر فى الجزيرة القبرصية، وهو ما نرى توظيفه الآن فى ادعاءات تركيا فى التنقيب على النفط فى المنطقة الاقتصادية التابعة لقبرص بزعم أن شمال قبرص المحتل من قبل الجيش التركى خارج عن نطاق قبرص اليونانية وهى المعترف بها دولياً والعضو فى الاتحاد الأوروبى. وبعد 45 عاماً لم يعد أحد يتحدث عن الاحتلال التركى لشمال قبرص ويدعو إلى إنهائه وترك قبرص لأهلها سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين.

حالة احتلال تركيا لجزء من أراضى دولة أخرى والسيطرة عليها وإعادة هندسة تركيبتها السكانية لأهداف ومصالح تركية استعمارية بالدرجة الأولى لم تعد قاصرة على شمال قبرص، نحن الآن نرى إعادة تطبيق المشهد نفسه فى شمال شرق سوريا. الحجج التركية تطورت من مواجهة منظمة إرهابية كردية، إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، وحماية الأمن القومى التركى. كل ذلك تحت مبرر إقامة منطقة آمنة بعمق يتراوح بين 30 إلى 40 كم داخل الأراضى السورية وبطول 450 كم على الحدود السورية التركية.

إذا نجحت تركيا فى إقامة هذه المنطقة برعاية أمريكية وصمت روسى ومعارضة لفظية إيرانية وشجب عربى، ستكون سوريا التى نعرفها من الناحية الجغرافية والسكانية بلداً مختلفاً تماماً. المناطق الآمنة التى تنشأ فى خضم الصراعات والحروب مسألة معروفة تاريخياً، وأهم شروطها أن تكون تحت رعاية أممية وليست برعاية دولة بعينها لا تخفى مطامعها فى أرض دولة مجاورة، وألا تكون بمثابة نقطة انطلاق لتغيير كامل فى هويتها الأم كما يحدث الآن فى شمال سوريا.

الخطط التركية والسوابق ليست محل شك أو ضبابية، الهدف الأكبر لأنقرة وللرئيس أردوغان شخصياً أن يصبح شمال شرق سوريا منطقة نفوذ تركى إلى ما شاء الله. النفوذ هنا ليس فقط مجرد وجود عسكرى كما هو الحال فى شمال قبرص، بل فى تنظيم الإدارة على النمط التركى ومن خلال مجموعات من العملاء والموالين الذين ينتظرون الأوامر من أنقرة. وتعليم الأبناء وفق المناهج التركية وبغير لغة الضاد وتوفير الرعاية الصحية بالمعايير التركية، وتوفير الأمن بما يصب فى المصلحة التركية بالأساس. استمرار هذا الأمر لعقد أو أكثر سيؤثر حتماً على هوية الذين يعيشون فى تلك المناطق سواء كانوا كرداً أو عرباً أو أى عرقية أخرى.

ما تقوله الصحافة التركية الموالية لأردوغان وحزبه الحاكم يفصح عن الكثير مما تخطط له أنقرة. المطلوب أولاً أن يخرج الجنود الأمريكيون من كامل المنطقة، وبالتالى تنزاح أهم عقبة أمام أى توغل عسكرى تركى، فضلاً عن انكشاف قوات سوريا الديمقراطية «قسد» المشكَّلة من غالبية كردية ومشاركة عرب شمال سوريا، وهو انكشاف من شأنه أن يجعل مهمة القضاء على «قسد» هذه حسب التخطيط التركى مسألة يسيرة نظرياً. أما عملياً فالوضع سيؤدى إلى حرب إرادة وبقاء وتضحيات لا حدود لها. لن يستسلم الأكراد والعرب بسهولة. بدايات التراجع تحققت بالفعل. انسحابات أمريكية تمت بعد محادثة هاتفية بين الرئيسين ترامب وأردوغان. البيان الرسمى الأمريكى كان فاضحاً وكاشفاً لحجم التهافت والتراجع عن أى التزامات أو وعود سابقة بحماية الأكراد فى الشمال السورى. لن يمنع الأمريكيون أى تقدم عسكرى تركى، ولن يقدموا أى دعم لـ«قسد». بعبارة أخرى هى دعوة لاستباحة شمال شرق سوريا وبلا شروط، إلا شرطاً واحداً وهو أن تتحمل أنقرة والجيش التركى مسئولية أعضاء «داعش» المحتجزين لدى «قسد». تأمل هذا الشرط تحديداً يكشف عن تناقض أمريكى هائل، إذ كيف للجيش التركى وهو يقوم بمهمة غزو واشتباك قتالى محتدم مع «قسد» أن يتحاور معها من أجل نقل السيطرة على مسلحى «داعش» وعوائلهم إلى الجيش التركى نفسه. خطر هروب كثير منهم محتمل بقوة. عودة «داعش» تبدو فى الأفق.

الاستعدادات التركية المسبقة ركزت على إعداد العملاء للقيام بدور رئيسى فى قتال «قسد»، إذ أعلن عن تشكيل حكومة مؤقتة ستدير مناطق شمال سوريا، مع مرور الوقت ستكون حكومة برعاية تركية تسعى إلى اعترافات دولية بأحقية تمثيل الشعب السورى، سنكون أمام حكومتين كما هو الحال فى قبرص المقسمة. تضمنت الاستعدادات أيضاً دمج ما يعرف بالجيش الوطنى والجبهة الوطنية وكلاهما يخضعان للاستخبارات التركية لتشكل قوة ضاربة تنتظر التعليمات من الجيش التركى لبدء عملية غزو الشمال السورى.

الإغراءات التركية تتوالى لجذب السوريين الخاضعين لنظام الحماية المؤقتة فى الداخل التركى للانتقال إلى تلك المنطقة بعد احتلالها. ستكون هناك جامعات تركية وقرى حديثة معدة لعدد 1000 شخص، تتوافر فيها خدمات جديدة كالمنشآت الرياضية والمدارس والمساجد ومناطق للزراعة، وستبنى تركيا 200 ألف مسكن لاستقبال مليون سورى تكلفتها 27 مليار دولار. من أين ستأتى هذه الأموال الهائلة وتركيا تعانى اقتصادياً؟

السر فى ابتزاز أوروبا لكى تدفع وإلا أطلق أردوغان عليها اللاجئين بعد ممارسة أقسى الضغوط عليهم فى الداخل التركى.

إعادة تشكيل التركيبة السكانية واضحة تماماً فى الخطط التركية، المطلوب إنهاء أى أغلبية للأكراد فى مناطقهم التاريخية. سيتم جذب السوريين من العرب وأكثرهم من منطقة حماة وريفها ومن ريف إدلب لكى يكونوا الغالبية، أو على الأقل نسبة كبيرة، وبالتالى يصبح الأكراد جزءاً من كل مختلط لم يعتادوا عليه. الأكثر من ذلك كل هؤلاء السوريين المطلوب توطينهم فى مناطق ليست لهم بعد، سيحصلون على امتيازات تركية، استمرارها مرهون بالعمالة لأنقرة. سيكونون أداة النفوذ التركى بامتياز.

المشهد على النحو السابق مرسوم بدقة، وتعلنه بكل صراحة الصحف التركية ويسوق له أردوغان شخصياً أمام العالم أجمع. لم يعد هناك ذرة من خجل. تقسيم سوريا بعد احتلال شمالها غرب وشرق الفرات أصبح على المكشوف. كلمات الرفض والشجب والوعيد لم تعد تكفى.

الوطن المصرية

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق
تويتر
فيسبوك