هرمز يهزم نتنياهو
نشر بتاريخ: 2026/05/26 (آخر تحديث: 2026/05/27 الساعة: 01:34)

.. وحتى قبل إعلان اتفاق وقف الحرب بين أميركا وإيران، رسميا، أي قبل إعلان بنوده وتفاصيله، فإنه يمكن القول، إن معظم ما رافق عملية التفاوض، منذ وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان الماضي، من تقديرات كان صحيحا، باستثناء ما كان يعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وقد كان مسار عملية التفاوض نفسه صعبا للغاية، ليس بسبب أنه كان يسير في حقل ألغام وحسب، بسبب التهديدات النارية لترامب بالذات، والتي تعتبر جزءا من التفاوض، من الجانب الأميركي تحديدا، لكن جملة ما كان يحدث ميدانيا، كانت أوضح من التهديدات، ورغم أن الصورة العامة كانت ضبابية حول احتمال نجاح التفاوض في الوصول إلى اتفاق من عدمه، وحول تجدد القتال أو لا، ولعل تلك الوقائع الميدانية والعملية، رغم أنها كانت تحدث بهدوء، ودونما صخب إلا أنها هي التي «حققت المعجزة»، ودفعت لترجيح احتمال الاتفاق، على عدمه، ودفعت نحو وقف الحرب بدلا من تجديدها.

أول وأهم الوقائع التي لا بد من الإشارة إليها، الآن، هي وقف إطلاق النار نفسه، ذلك أن التفاهم حوله كان مؤقتا، ولمدة أسبوعين فقط، بدأت في الثامن من نيسان، وكان يجب أن تنتهي في الثاني والعشرين منه، وكان ترامب يطلق التهديدات، في حال عدم موافقة ايران على ما كان يقدمه لها من مطالب، أي ليس في حال التوصل لاتفاق، لأنه كان يريد استسلاما وليس اتفاقا بين طرفين، المهم، أن موعد انتهاء أسبوعي وقف إطلاق النار المؤقت، قد مر، وبقي وقف إطلاق النار، دون أن تقوم أميركا لا بتجديد الحرب ولا حتى بشن عملية عسكرية، حتى لو كانت محدودة ومركزة، ثم ورغم أن الجانب الأميركي، خاضع لثنائية الموقف المحيط بترامب، من حيث وجود من يشير إليه بمتابعة الحرب، ومن يقول له، أن يواصل التفاوض، واصل التفاوض في ظل الضغط، بعد أن قطع التفاوض بالحرب، عاد ليقدم شروطه، معتقدا بأن حرب الأربعين يوما، قد أدت إلى تهيئة ايران للاستسلام، ففتح باب التفاوض ولكن مترافقا مع التهديد، من خلال منح مهل الأيام للرد الإيراني متضمنا قبول الاستسلام، ثم التفاوض في ظل الضغط بالحصار البحري.

وخلال كل هذه الفترة، جربت أميركا كل ما يخطر على البال، من مقترحات عسكرية، وممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية، وصولا إلى طرق باب الصين، بعد أوروبا، ودول الخليج، ولم يساعد احد ترامب لا في المشاركة بالحرب أولا، ولا في فتح هرمز ثانيا، المضيق الذي تحول بعد حرب الأربعين يوما، إلى ساحة الحرب الاقتصادية بين المتحاربين، وإذا كان ترامب ليس رجلا عسكريا، ولا حتى سياسيا بقدر ما هو رجل اقتصاد، بما يفسر عدم براعته في خوض الحرب العسكرية، حيث يمكننا القول، في هذا السياق، إن احد أسباب الفشل العسكري الأميركي/ الإسرائيلي في الحرب، رغم عدم التكافؤ، هو عدم مهنية ترامب ونتنياهو في الجانب العسكري، أما أن يخوض ترامب الحرب الاقتصادية في مياه الخليج، ويخسر، فهذه هي الهزيمة المدوية، لذلك فإن ايران لم تقل عبثا، إن هرمز هو «سلاحها النووي»، لأن نجاحها في الإمساك به، رغم كل ما حاوله ترامب من أجل نزع تلك الورقة من يدها، هو الذي توج صمود ايران في ميدان القتال، بإجبار ترامب على التراجع على الطاولة، والتراجع بيّن وواضح.

فالحديث يدور أولا عن اتفاق إطار، أو اتفاق مؤقت، صفقته الأساسية، فتح مضيق هرمز، مع وجود القوات الأميركية والإيرانية في مواقعها الحالية، وهذا يعني السماح لكل السفن وناقلات النفط التي تخص الطرفين بالمرور، مقابل «تحرير» جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأميركية منذ انتصار الثورة الإيرانية العام 1979، هذا هو البند المهم الرئيس الأول في اتفاق الإطار، لأنه يأخذ طابعا عمليا، واجب التنفيذ فورا، أما البند المهم الثاني، فهو أن اتفاق الإطار هذا، هو مرحلة تمهيدية، مدتها 60 يوما، تجري خلالها مفاوضات حول البنود الأخرى، واهمها البند الخاص بالبرنامج النووي الإيراني، أي أن اتفاق الإطار يمدد وقف إطلاق النار عمليا، لمدة ستين يوما أخرى، أي طوال شهري حزيران وتموز القادمين، وهي فترة مهمة جدا لإيران، من أكثر من ناحية، أولها أنها ستكون قد تنفست الصعداء بعد حرب واجهت فيها أقوى دولة في العالم، مع أقوى دولة في الشرق الأوسط معا، وإيران لن تنجح في ترميم كل ما خسرته خلال حرب الأربعين يوما فقط، بل أنها بعد تلك المدة ستكون في موقف مريح اكثر، لأن ترامب سيقترب أكثر من الانتخابات النصفية، ونتنياهو سيكون على مرمى حجر من انتخابات الكنيست السادس والعشرين.

طبعا، لا نريد هنا، أن نناقش ترامب نفسه، الذي يتشدق بكونه تاجرا ماهرا، لا يعقد الصفقات الخاسرة، لأن مقايضة هرمز، بما يعني تنازل ايران عما كانت ستحصل عليه من رسوم أو خدمات مرور السفن، من أموال تنقذ اقتصادها المتهالك، سيكون مقابله الافراج عما بين 20 ــ 25 مليار دولار من أموال ايران المجمدة في البنوك الأميركية، في حين أن إدارة ايران للمضيق كانت ستوفر لها أموالا من جيوب الآخرين، وليس من البنوك الأميركية، المهم، أن أحدا لا يمكنه أن يضمن أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق بعد الستين يوما، بل على الأرجح، انهما سيكتفيان بهذا الاتفاق، وستهدأ الأمور، لأنهما أي ايران وترامب يحققان في اتفاق الإطار ما يريدانه، إيران تريد وقف الحرب عند النقطة الحالية التي هي فيها، بعد أن وضعت يدها على مضيق هرمز، وترامب وجد فيه المخرج الذي كان يسعى إليه في الفترة الأخيرة للخروج من «ورطة» الحرب، التي بدأها ولم يعرف لا كيف ينهيها، ولا كيف يخرج منها، بادعاء النصر.

والدليل الذي لا يصله أي شك، هو النتيجة، فترامب كان يطلب الاستسلام، وبلا شروط، وكان يريد «النووي المخصب» على طريقة «مادورو» يجوب به شوارع واشنطن ونيويورك، فما هو السلاح الذي مكن إيران من الوصول إلى هذه النتيجة، التي لم يكن احد قبل إطلاق حرب الأربعين يوما يتوقعها، خاصة بعد أول 48 ساعة من إطلاقها، حين أصيبت ايران إصابة بالغة، تمثلت في استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي، ولا شك أن هناك عوامل عديدة، تحدثنا عنها في مقالات سابقة، ساعدت ايران على الصمود، في ميدان الحرب، لكن انتقال المعركة إلى ساحة التفاوض، لم تكن اقل ضراوة من قصف الطائرات ومن إلقاء أطنان القنابل الخارقة للتحصينات، وكانت تستهدف «احتواء» ما سمي سلاح ايران النووي، أي مضيق هرمز، ففي ظل الحديث عن التفاوض، يهدأ سعر برميل النفط، فيما يتوفر الوقت لثنائي الحرب، ترامب ونتنياهو، لإقناع المتضررين من دول العالم بالمشاركة في الحرب، وهنا الحديث يجري عن دول عظمى اقتصاديا وعسكريا، أوروبا، اليابان وكوريا، ولو نجحت محاولات ترامب في خفض سعر النفط، لعاد إلى الحرب أو على الأقل لكانت ايران بين احد خيارين، إما عدم التوصل لاتفاق الإطار، أو الرضوخ للمطالب الأميركية.

ولو نزعت أميركا ورقة هرمز من قبضة ايران، لكانت أصرت على وقف الحرب بورقة استسلام صريحة، لذلك تشبثت ايران بهرمز، وليس من المتوقع أن تستغني عنها، إلا بعد أن تتأكد تماما، من أن أميركا ستخرج من دائرة الحرب، في الشرق الأوسط، وذلك يعني ضمنا وقف إسرائيل لأنها لن تحارب ايران وحدها، ولو فعلت، فإن ايران وحلفاءها سيلحقون بها هزيمة نكراء، ولأن نتنياهو هو أكثر المشاركين في الحرب حرصا على مواصلتها، بل إنه يعتبر نجاحه في «جر» ترامب وأميركا للحرب على ايران اهم ما حققه طوال حياته السياسية، وبعد أن كان يظهر كشريك مع ترامب، من خلال مستوى التنسيق العسكري الكامل، فإنه ظهر خلال أيام التفاوض الأخيرة، على صورة «آخر من يعلم»، لذا هو أكبر خاسر من وقف الحرب، فاتفاق الإطار يعني أولا وأخيرا وقفا فعليا للحرب، وإن كان لا يعني ولا بأي شكل تحقيق أي هدف من أهدافها، وبالتحديد ما يخص برنامج ايران النووي، والذي بات منذ زمن هو البند الوحيد على قائمة المطالب الأميركية، بل وانحصر في عدم امتلاك ايران للسلاح النووي فقط.

بكلام آخر، حين تحولت الحرب من نطاق التراشق العسكري، الغارات مقابل القصف، للتراشق بمقترحات المطالب والردود، ومن ثم تحول التفاوض إلى حديث حول صفقة اقتصادية بين تداعيات هرمز وأموال ايران، بات هرمز في مقابل نتنياهو، وهكذا فإن إعلان أي اتفاق بين ايران وأميركا، يؤكد بأن هرمز هزم نتنياهو، والنتيجة ستظهر بعد نحو أربعة شهور في صناديق انتخابات الكنيست.