ليس أخطر على الأوطان من عدو يهاجمها، إلا تردد أو خوف يسكت أبناءها وهم يرون التهديدات والمخاطر ماثلة أمام أعينهم.
في كثير من الأطر الحزبية والتنظيمية والاقتصادية، بل وفي كثير من قضايا الشأن العام، لا يموت الضمير فجأة، لكنه يرهق تدريجيا بالخوف أو التردد:
الخوف من خسارة الموقع، أو الراتب، أو العلاقة، أو التعرض للاتهام أو العزل،،،،
ومع الوقت يصبح السكوت عادة، والتبرير ثقافة، والمجاملة الزائفة بديلا عن الحقيقة الناصعة.
كثيرون يقرأون ولا يعلقون، يعلمون ولا يتكلمون، ليس لأنهم لا يرون، بل لأن بعضهم أقنعوا أنفسهم في كثير من الأحيان أن النجاة الفردية أهم من الواجب العام.
لكن الحقيقة المؤلمة أن الصمت في اللحظات الكارثية ليس حكمة أبدا ولا حيادا دائما، بل قد يتحول، ولو دون قصد، إلى مشاركة غير مباشرة في استمرار الخطأ وتدهور الأمور واستعصاء الحلول.
وفي أحوال مأساوية كحال غزة، حيث الإبادة والدم والحصار والجوع والخوف من النزوح والتهجير ومخاطر الفوضى، يصبح للكلمة قيمة أخلاقية ووطنية وإنسانية كبرى، بل ويصبح إبداء الرأي أقرب للوجوب .
ومن بداهة الأشياء، ليس المطلوب هنا فوضى كلامية، ولا تخوينا، ولا تهجما، ولا تماهيا مع مواقف العدو، بل شجاعة محترمة تقول الحقيقة بأدب، وتعترض بمسؤولية، وتنحاز لصالح الناس قبل المصالح الخاصة.
قد يكون السكوت من أجل راتب أو مصلحة أو وظيفة، مفهوما من زاوية الضعف البشري والحاجة الملحة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى فضيلة أو موقف يفتخر به.
فالوظائف تعوض، والمواقع تتغير، أما المواقف فتبقى.
التاريخ لا يذكر الصامتين في زمن كان يحتاج إلى رجال كلمة وموقف في الوقت والظرف المناسب.
وليكن شعارنا:
"لم أصمت حين كان الواجب أن أتكلم"