فنجان قهوة مع "فتح"
نشر بتاريخ: 2026/05/17 (آخر تحديث: 2026/05/17 الساعة: 17:06)

دخلتْ متكئةً على عصا من خشب الزيتون، لا تُشبه صورها القديمة المعلّقة في ذاكرة الأناشيد والهتافات. كانت أكبر من العمر، وأثقل من الخيبة. ثوبها المطرّز بدا كأنه خريطةٌ بهتت أطرافها من كثرة ما مُزِّقت، وعلى كتفها شالٌ تفوح منه رائحة المخيمات، والرصاص الأول، وعرق الفدائيين الذين كانوا ينامون على الحلم ويستيقظون على الوطن.

في ذلك المقهى العتيق، حيث تختلط رائحة البنّ بالهيل، وحيث تبدو الطاولات كأنها تحفظ أسرار الهزائم العربية أكثر مما تحفظ أسماء زبائنها، كنتُ أنتظرها.

لم أكن أعرف كيف سأواجهها.

كيف يمكن لابنةٍ خائبة أن تجلس أمام أمٍّ كانت يومًا بحجم الحلم الفلسطيني كله؟

اقتربت ببطء.

تأملتُ وجهها طويلًا.

كانت التجاعيد على جبينها أشبه بخرائط انسحابٍ طويلة؛ كأن كل خطٍّ فيها يحكي قصة مخيم، أو مدينةٍ سقطت من الذاكرة السياسية، أو شهيدٍ مات وهو يظن أن البنادق لا تصدأ.

ورغم التعب، كان ثمة شيءٌ مألوف فيها.

شيءٌ يشبه رجفة الصوت في خطابات الختيار.

شيءٌ من ملامح الرجل الذي كان يرفع غصن الزيتون بيد، ويخبئ في الأخرى عناد شعبٍ كامل.

رأيتُ طيف ياسر عرفات يمرّ خافتًا في زاوية ابتسامتها.

ما إن رأتني حتى اتسعت عيناها بحنانٍ موجع، ورمت عصاها جانبًا، وضمتني كما لو أنني طفلة عادت متأخرة من حربٍ طويلة.

مرّرت يدها على رأسي وقالت بصوتٍ امتزج فيه الحنان بالخذلان:

زينة... يا ابنة الوجع القديم، كبرتِ قبل أوانكِ. أرى في عينيكِ تعب وطنٍ كامل.

جلسنا.

طلبتُ فنجانين من القهوة: واحدًا لي، وآخر لذاكرة اسمها "فتح".

كانت يداها ترتجفان.

يدان طالما بدتا في المخيلة الفلسطينية كأنهما قادرتان على زراعة البنادق في صدور الفتيان كما تُزرع الأرغفة في حقائب الأطفال.

أما الآن، فكان فيهما انكسارٌ لا يشبه الشيخوخة؛ بل يشبه فكرةً أُنهكت من سوء من حملوها.

أمسكتُ يديها، وسألتها بصوتٍ متعب:

يا أمي "فتح"... ماذا فعلوا بكِ؟ كيف صرتِ غريبةً عن الذين تربّوا على اسمكِ؟ كيف تحولتِ من فكرةٍ تشبه فلسطين إلى مؤسسةٍ تشبه المكاتب؟

رفعت رأسها نحوي.

لكنني لم أترك لها فرصة الإجابة.

خرج الكلام من صدري كأنّه نزيف:

كيف للثورات أن تشيخ يا أمي؟ وكيف تحوّل الحلم إلى ملفاتٍ تنظيمية باردة؟ ماذا يفعلون في "المؤتمر الثامن"؟ أهو مؤتمرٌ لإحياء الحركة أم لتشييعها بصمت؟

ارتجف وجهها.

أما أنا، فتابعت، كأنني أفتح جرحًا قديمًا:

يقولون إنه مؤتمر شرعية... لكن أي شرعية هذه التي تُبنى على الإقصاء؟ أي تجديدٍ هذا الذي يبدأ بإبعاد المختلفين، وتقليم الأصوات الحرة، وإعادة تدوير الوجوه ذاتها التي أوصلت الناس إلى اليأس؟

انحنيتُ نحوها أكثر:

لماذا يبدو "المؤتمر الثامن" كأنه غرفة مغلقة لإعادة توزيع النفوذ؟ لماذا صار السؤال داخل الحركة: من يبقى قريبًا من المركز؟ لا: من يبقى قريبًا من الناس؟ لماذا تحولت الثورة إلى كشوفات أسماء، وصفقات مواقع، وحسابات ولاء؟

ساد الصمت.

صمتٌ ثقيلٌ كالمقابر.

ثم تنهدتْ طويلًا.

كأنها تسحب من صدرها تعب خمسين عامًا دفعةً واحدة.

وقالت بصوتٍ خافت:

لستُ أنا من تغيّر يا صغيرتي... الفكرة لا تخون نفسها. لكن بعض الأبناء يشيخون قبل الفكرة، ويظنون أن التنظيم ملكية خاصة، لا أمانة ثقيلة.

توقفت.

ثم شدّت على عصا الزيتون حتى ابيضّت أصابعها:

"المؤتمر الثامن" الذي يؤلمكِ يجب أن يؤلم الجميع. لأن الخطر ليس في الخلاف، فالاختلاف حياة. الخطر حين يتحول التنظيم إلى نادٍ مغلق، وتصبح الثورة وظيفة، والنضال لقبًا، والموقع التنظيمي ميراثًا سياسيًا.

ارتشفت رشفةً من القهوة.

ثم قالت بمرارةٍ أمٍّ خذلها أبناؤها:

حين يُخاف من أصحاب الرأي أكثر من الخوف من الاحتلال، وحين يُقصى أصحاب التاريخ النظيف لأنهم لا يُصفقون، وحين تُدار الحركة بعقلية "من معنا ومن علينا"... فاعلمي أن المرض صار في الروح لا في الجسد.

نظرتُ إليها.

كان في عينيها شيءٌ يشبه الخجل.

خجل الأم حين ترى أبناءها يتشاجرون فوق جراح البيت.

قلتُ وأنا أقاوم دموعي:

لكن غزة يا أمي؟

صمتُّ لحظة.

ثم انفجرت الكلمات:

— غزة تُباد. أطفال يولدون تحت الركام ويموتون قبل أن يتعلموا نطق كلمة "وطن". نساء يخبزن الصبر بدل الطحين. رجال يحملون أبناءهم في أكياس بيضاء. بينما هم هناك... يتجادلون حول المقاعد، والتحالفات، وترتيب الوجوه داخل المؤتمر! كيف يكتمل نصاب مؤتمرٍ وغزة خارج النصاب؟ كيف يُناقش مستقبل الحركة فيما نصف الروح الفلسطينية ينزف؟

هنا تغيّر وجهها فجأة.

اختفى التعب.

واستقام ظهرها.

ولمعت عيناها كما لو أن ستينات الثورة نهضت من جديد.

ضربت عصا الزيتون الأرض بقوة.

وقالت بصوتٍ هزّ صمت المقهى:

غزة ليست بندًا على جدول أعمالهم يا زينة! غزة هي الامتحان الذي يسقط أمامه الجميع.

وأشارت بيدها كأنها ترى القطاع أمامها:

هناك تُعقد المؤتمرات الحقيقية. تحت الردم. في بطون الأمهات الجائعات. في عيون الأطفال الذين صاروا أكبر من أعمارهم. هناك تُختبر شرعية الفصائل كلها، لا في القاعات المكيفة ولا الفنادق ولا خطابات التصفيق.

ثم اقتربت مني أكثر:

أي مؤتمر لا تبدأ جلسته الأولى من غزة... هو مؤتمر ناقص الروح. وأي قيادة لا تسمع أنينها قبل التصويت على المواقع، قيادة فقدت صلتها بسبب وجودها أصلًا.

ارتجف قلبي.

لكنها لم تنتهِ.

قالت بصوتٍ أكثر حدّة:

من يظن أن "فتح" تُنقذها اللوائح مخطئ. "فتح" لا تُنقذ إلا إذا عادت للفقراء، للمخيم، للأمهات، للشهداء، للناس الذين حملوها فكرة لا وظيفة. الحركة التي وُلدت من البندقية لا يجوز أن تتحول إلى شركة إدارة أزمات داخل الاحتلال.

ثم وقفت.

لا أعرف كيف اختفى ارتجافها.

بدت فجأة أكبر من الخيبة، وأوسع من الزمن.

رفعت وجهها نحوي وقالت كلماتها الأخيرة، كأنها وصية أخيرة قبل الرحيل:

قولي لهم يا زينة: لا تبحثوا عن شرعية القاعة... وابحثوا عن شرعية الناس. لا تسألوا من يجلس في الصف الأول داخل المؤتمر الثامن"، بل اسألوا: لماذا باتت غزة تشعر باليتم؟ لا تُنقذوا الحركة بإقصاء المختلفين... أنقذوها بإحياء الفكرة. لأن "فتح" التي تشبه فلسطين لا تموت، لكنها قد تُختطف طويلًا على أيدي أبنائها.

حين غادرت...

بقي فنجان قهوتها دافئًا.

وبقيتُ أحدّق في المقعد الفارغ.

أفكر بحزن:

كم يبدو موجعًا أن تخاف الأم على أبنائها... أكثر مما يخاف الأبناء على أمهم.

وفهمتُ متأخرة:

لم تكن "فتح" تخشى الشيخوخة… كانت تخشى أن يكبر أبناؤها بلا ذاكرة.

وخارج المقهى… كانت غزة—كعادتها—تحرس ما تبقّى من معنى الوطن وحدها.