في صباح السابع من أكتوبر قبل حوالي عامين ونصف، كانت تتضح نتائج العلاقة بين إيران وحركة حماس بالرغم من إعلان إيران المبكر عدم علمها بالعملية أنها لم تشارك في التخطيط لها، إلا أن نتنياهو سارع منذ اليوم الأول لالتقاط اللحظة معلنًا في المكالمات الهاتفية التي أجراها معه زعماء العالم في لحظة تضامن إنساني كان محملًا بالمشاهد من داخل الكيبوتسات المجاورة لغزة بأن "إيران من يقف خلف هذه العملية" كأنه كان يحضر العالم لحرب إقليمية.
لم يكن نتنياهو المعروف بدهائه يمكن أن يفوَّت فرصة تشكيل تحالف دولي لضرب إيران من خلال التحريض المزود بصور ومقاطع عما أسماه بـ "المذبحة اليهودية" التي ارتكبها "أعوان إيران" وعمل منذ اللحظة الأولى على إفشال وإحراج إدارة بايدن التي فشلت في إدخال "كيس" من الدقيق بهدف دعم صديقه ترمب الذي سيذهب معه حتى النهاية في حرب ستقضي كما كان يقول على رأس الإخطبوط، ويتنهي محور إيران مرة وللأبد.
سارت الخطة كما شاء في غزة وفي لبنان اللتين قبلتا خطط الرئيس ترمب بما يشبه الاستسلام قبل أن ينتقل للفصل الأخير في الخطة، وهو إسقاط النظام أو كما أسماه في الخطة التي عرضها على الرئيس ترمب بالجمهورية الإسلامية، وهو يعرض البدائل بعد الإطاحة بها. لكن الرئيس ترمب الذي كان مأخوذًا بالنصر الفنزويلي الساحق لم يعط نفسه تحت النشوة ما يكفي من التفكير أو الاستماع للخبراء من ذوي الاختصاص.
تعثرت الخطة وطالت الحرب التي يبدو أن الرئيس ترمب فقد شغفه بها وأصيب بالضجر، فقد أغراه نتنياهو بأنه سيدخل التاريخ ويغير الشرق الأوسط بحرب أيام أو أسبوعين أو ثلاثة، قبل أن يكتشف أن الأمر ليس كذلك، وأن الحرب التي كان يعتقد أنها ستتوج انتصاراته باتت تشكل عبئًا ثقيلًا على رئيس يكره الحروب ويحب الانتصارات السريعة، وبات مرهقًا يبحث عن نهاية لا تبدو في متناول اليد لقوة دولته التي لم يتوقف عن الإعجاب بقدراتها الكاسحة. فقد طالت الحرب أكثر مما يجب، وأعلن انتصاره أكثر من مرة، لكن المضيق لا يزال مغلقًا، وحزبه يراقب ارتفاع أسعار الوقود وانخفاض أسهم الاستطلاعات بقلق، دون أن يظهر نهاية لكل هذا مع عناد إيراني بات مدركًا خيارات الرئيس الأميركي.
يعود الحبل السري بين طهران وغزة، بين دولة فقدت كل القيادة التي أشرفت على تشكيل محورها الإقليمي الذي قادته، وتنظيم فقد كل قيادته التي أعادت تموضع نفسها في ذات المحور، لكن الارتباط هنا يتعلق بفهم الحركة الفلسطينية لتعثر المشروع الإسرائيلي في إسقاط النظام في طهران، لتستمد من ذلك بعض القوة التي تؤهلها للتصلب في ملف المفاوضات، وتسليم السلاح بعد أن كانت قد قبلت بذلك قبل ستة أشهر. فعدم سقوط النظام وعودة حزب الله بالمسيرات أحدثا قدرًا من التغيير لدى حماس لناحية الانتظار لما ستسفر عنه نهاية الحرب، معتقدة أنه يمكن لإيران أن تسجل انتصارًا ينعكس على شكل هزيمة إسرائيلية تستلزم إعادة النظر بنتائج حرب غزة في صالح الحركة، ما يتطلب قدرًا من التريث على شكل تصلب تظهره الحركة في المفاوضات، وهو ما كان في اللقاء الأخير مع المندوب السامي ميلادينوف في القاهرة، دون إدراك الحركة أن غزة مسألة مختلفة تمامًا بعكس إيران ولبنان، فهي داخل الغلاف الإسرائيلي بتفاصيل الغذاء والإنترنت والبيانات والأمن.
لكن على الجانب الآخر إسرائيل التي يتلاشى حلمها بإسقاط النظام كما يستشف من تصريح نتنياهو أمس بأنه كان يدرك مع الرئيس ترامب أن الحرب لن تؤدي بالضرورة لإسقاط النظام، ومع تقديرها لنهايات لا تنتهي بزوال النظام كما تحلم منذ أربعة عقود، ومع التقارير الواردة من الجنوب اللبناني وحالة التشاؤم التي يعبر عنها إيال زامير رئيس الأركان من القدرة على مواجهة المسيرات، يتضح أن ساحتين من ثلاث ضربتها إسرائيل، لكنها لم تنجح بما يكفي، وهو ما تعبر عنه المعارضة وخصوصًا أفيغدور ليبرمان الذي يقف بالمرصاد وهو يحصي أنفاس الحكومة ورئيسها وإخفاقها.
ساحة واحدة هي التي تبقت كحالة ضعيفة أو خاصرة المحور الرخوة التي بدأت الطوفان أمام قوة إسرائيل، وهي ساحة غزة التي قرر الجيش الإسرائيلي إضافة 11% من مساحتها في ليلة واحدة تحت حيازته، ليصبح لديه ثلثا مساحة القطاع بعد أن كان يسيطر على 53%، فيصبح ما بحوزته 64% وسط صمت كوني ودولي وإقليمي ووسطاء، والأهم انشغال أميركي، فالرئيس ترمب بات مشغولاً في القصة الإيرانية، لأنها وصلت صندوقه الانتخابي ومستقبله السياسي وفوز خصومه وتقييد حركته، وهو ما لن يطيقه، وتلك أهم كثيرًا بالنسبة له من غزة التي لم تعد جزءًا من اهتماماته، فقد غابت عن تصريحاته منذ أكثر من شهرين.
هنا استعصاء غزة الجديد بين حماس التي تربط نفسها بنتائج حرب طهران لتتردد في تقديم تنازلات، بل تستدعي قدرًا من التصلب، وبين إسرائيل التي تتعثر في مشاريعها الإقليمية لترى في غزة ساحتها التعويضية التي يمكن أن تحقق انتصارات واضحة، فإذا ما قامت بحركتين مشابهتين لما قامت به منذ أيام فستحشر سكان غزة في 15% من مساحة القطاع، وهي تستطيع ذلك.
ما بين تقدير حماس وتصورها وتقدير إسرائيل وتعثرها وتعويضها تبدو غزة التي سيتصلب فيها كل منهما، وكلٌ له منطقه، لكن الغزيين الذين يخوضون مقاومتهم مع القوارض سيدفعون ثمن تلك التصورات والاعتقادات، وتلك أزمة التاريخ الذي كان الدم والدموع شهوده، لأن هناك أطرافًا لم تفهم واقعها ووقعت أسيرة تصوراتها الخاطئة.