من يدفع ثمن العمى الأيديولوجي والسياسي؟
نشر بتاريخ: 2026/05/05 (آخر تحديث: 2026/05/05 الساعة: 18:26)

منذ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وُضعت خطة ترامب الخاصة بقطاع غزة على هامش الاهتمام الدولي والإقليمي ولم يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية، في الوقت الذي واصلت فيه إسرائيل اعتداءاتها على قطاع غزة، حيث بلغ عدد الشهداء منذ وقف الحرب 975 شهيدا وعدد الجرحى 2235 وزادت المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل لتصبح 57% من مساحة القطاع. بعد وقف إطلاق النار على جبهتي ايران ولبنان، تستعد إسرائيل لاستئناف الهجوم العسكري الواسع على قطاع غزة. حاول ميلادينوف مندوب «مجلس السلام» الاتفاق مع حركة حماس على جدولة نزع السلاح وربط هذه العملية باستكمال الانسحاب الإسرائيلي وبإعادة الإعمار. كان رد الحركة: مطالبة إسرائيل بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى من خطة ترامب. بعدئذ يُناقش ملف السلاح ضمن إطار وطني فلسطيني شامل ويرتبط نزع السلاح بإقامة دولة فلسطينية. واعتبرت الحركة أن تقديم نزع السلاح على الانسحاب وإعادة الإعمار ينسف التفاهمات ويمثل خروجا جوهريا عن شروط المرحلة الأولى. ويأتي الموقف الإسرائيلي على النقيض من موقف «حماس» إذ يعتبر أن عدم نزع سلاح «حماس» والفصائل الأخرى هو المعرقل الرئيس لجهود إنهاء الحرب وتنفيذ خطة ترامب.

يبدو موقف «حماس» متناقضا، فبعد موافقتها على خطة ترامب ببنودها العشرين، تتراجع الآن وتقدم قراءة خاصة بها تتضمن شروطا وكأنها في موقع المنتصر. ينص البند 6 على نزع السلاح والتزام «حماس» بالتعايش السلمي مع إسرائيل أو مغادرة قياداتها وكوادرها القطاع. وينص البند 13 على: توافق «حماس» والفصائل الأخرى على عدم الاضطلاع بأي دور في حكم غزة بشكل مباشر أو غير مباشر أو بأي شكل من الأشكال، وسيتم تدمير جميع البنى التحتية العسكرية والهجومية بما في ذلك الأنفاق ومنشآت إنتاج الأسلحة وستكون هناك عملية لنزع السلاح من غزة تحت إشراف مراقبين مستقلين. وينص البند 16: ستنسحب القوات الإسرائيلية وفقا لمعايير وجداول زمنية مرتبطة بنزع السلاح، يُتفق عليها بين الجيش الإسرائيلي والجهات الضامنة والولايات المتحدة.

المواطن الذي عاش الحرب واكتوى بنيرانها وعذاباتها على مدار عامين، تفهم موافقة «حماس» على خطة ترامب لأنها تجاوزت خطر التهجير نظريا على الأقل، يقول البند 12: لن يُجبر أحد على مغادرة غزة مع حق العودة لمن يغادر. ولأنها أزالت شبح بقاء الاحتلال وإعادة الاستيطان إلى قطاع غزة يقول البند 16: إسرائيل لن تحتل غزة ولن تضمها.. ولأنها تشير حتى من باب رفع العتب أو الترضية في البند 19 إلى مسار نحو تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية باعتباره يعبر عن طموح الشعب الفلسطيني. والأهم من ذلك، لأن الخطة أوقفت القتل والتدمير والترويع والتهجير داخل القطاع بنسبة 98% عند أي مقارنة بين يوميات الحرب الأكثر وحشية، وبين اعتداءات يومية متفرقة ما بعد وقف إطلاق النار.

بعد مغامرة 7 أكتوبر والرد الإسرائيلي بحرب إبادية انتقامية في قطاع غزة وبحرب تطهير عرقي وتصفية في الضفة الغربية، لم يعد أمام الفلسطيني حركة سياسية ونخب ترف اختيار أشكال النضال وبرامج واستراتيجيات ورؤى في مواجهة دولة تتبنى حلا عدميا تصفويا وتضعه على دكة التنفيذ باستخدام أقصى قوة وأسرع وقت. كنا بحاجة إلى عقلانية وحكمة للخروج من حرب الإبادة والتصفية والبقاء على أرض الوطن والإفلات من خطر التفكيك والتهجير. بحاجة إلى الدفاع عن حقوق كل إنسان، فردا وجماعة، كما هو منصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان، والدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة والمقرة في القانون الدولي والقرارات الشرعية، حق تقرير المصير والخلاص من الاحتلال. كان التعرف على ميزان القوى في كل حلقاته والدفاع عن الشعب وقضيته على ضوء ذلك بعيدا عن الانتصارات المتوهمة هو بيت القصيد. من يتابع خطاب «حماس» والدائرين في فلكها أثناء الحرب وبعد وقفها سيجد إنجازات بلا حدود وصفر إخفاقات. من يقرأ «كراس ما بعد الطوفان» ويتابع تصريحات قادة «حماس» يطرح سؤالا محيرا مفاده، إذا فشل العدو في تحقيق أهدافه في الميدان، وإذا حققت المقاومة كل هذه الإنجازات فلماذا وقّعَت «حماس» على خطة ترامب التي لبّت شروط الحرب الإسرائيلية المتمثلة في إخراج «حماس» من الحكم ونزع السلاح وتدمير البنية التحتية للمقاومة وفرض وصاية سياسية على الوضع الفلسطيني برمته؟ انتقت «حماس» بنودا في خطة ترامب تتحدث عن انسحاب إسرائيلي والإعمار والمساعدات الإنسانية، وتجاهلت البنود التي تربط الانسحاب والإعمار بنزع السلاح وإنهاء حكمها المباشر وغير المباشر وبالوصاية والرقابة. وفاوضت «حماس» الأميركيين وميلادينوف على نزع سلاحها الثقيل ووافقت على ذلك وطالبت ببقاء سلاحها الخفيف للدفاع عن النفس إذا ما تعرضت للهجوم من قبل ميليشيات وعشائر، في الوقت الذي يقدم فيه قادتها خطابا للشعب يتحدثون فيه عن الحق في المقاومة طالما استمر الاحتلال. وتحدثوا عن خطر تكرار مجزرة صبرا وشاتيلا إذا تم تسليم السلاح متجاهلين حقيقة انهم عجزوا عن توفير أي شكل من أشكال الحماية منذ 7 أكتوبر وحتى اليوم وأرقام الخسائر البشرية والمادية أكبر دليل.

واقع الحال، إن أكثر ما يهم حركة حماس هو البقاء في الحكم حتى لو كان بشكل غير مباشر، وقد بذلت قصارى جهدها لاستعادة سيطرتها الكاملة على 43% من مساحة القطاع وحولت السيطرة إلى أمر واقع وتحاول استجداء الوسطاء والأميركيين لترسيم هذا الواقع ضمن تقاسم تسيطر فيه على المجتمع وتسمح بتولي لجنة التكنوقراط للحكم، وتبدي الاستعداد للحفاظ على أمن غلاف غزة كما قال موسى أبو مرزوق، وقبول التأهيل الأميركي لـ»حماس» على طريقة النظام السوري الجديد كما قال خالد مشعل. غير أن الأكثر خطرا هو استئناف الحرب التي يحتاج إليها نتنياهو ومعسكره الكاهاني تحضيرا لانتخابات الكنيست. هذا ما بدأت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تستعد له. والذريعة هي استعادة حركة حماس لحكمها خلافا للبند 13 من خطة ترامب وتمسكها بالسلاح. ويكون ذلك بالعودة للقتل الجماعي وتدمير المربعات السكنية وتهجير سكانها من مكان إلى آخر وتدمير البقية الباقية من المنازل والمرافق وبقايا مستشفيات ومدارس، وتكريس هدف تحويل قطاع غزة إلى مكان غير صالح للحياة. سابقا لم تكترث «حماس» بحرب الإبادة ولم تفعل ما من شأنه وقفها، والآن تتبنى مواقف وممارسات تؤدي إلى استئناف حرب الإبادة. المشترك في المواقف السابقة والمواقف الحالية هو طغيان مصلحة التنظيم وقيادته على مصلحة المواطنين، كأن بقاء التنظيم أهم من بقاء الشعب، ولم تتغير المعادلة التي جاءت في المرة الأولى على شكل مأساة، والآن تأتي على شكل مهزلة والسبب أن «حماس» لم تراجع سياساتها ولم تعترف بأخطائها، وكذلك فعلت التنظيمات المتحالفة مع حركة حماس وكذلك التنظيم المتنازع معها، أما الشعب فهو الذي يدفع ثمن العمى الأيديولوجي والسياسي مرة وأخرى وهلمجرا.