أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد” ورقة حقائق من إعداد الباحثة لبنى ديب بعنوان: “الأوبئة كسلاح حرب”، سلطت فيها الضوء على الانهيار الصحي والبيئي المتفاقم في قطاع غزة، وعلى الكيفية التي تحولت فيها الأوبئة والأمراض المعدية إلى تهديد يومي واسع النطاق يلاحق المدنيين في ظل التهجير الجماعي، والانهيار الشامل للبنية التحتية، والحصار، ومنع دخول الإمدادات الطبية ومواد النظافة.
وأكدت الورقة أن ما يعيشه سكان قطاع غزة بعد حرب السابع من أكتوبر لم يعد يقتصر على القصف والقتل المباشر، بل امتد إلى حرب موازية عنوانها التجويع، وانعدام المياه النظيفة، وتكدس النازحين في بيئات ملوثة ومكتظة، وهي ظروف خلقت بيئة خصبة لتفشي الأمراض والأوبئة بصورة متسارعة وخطيرة. وأشارت إلى أن أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف كارثية داخل مساحة ضيقة، وسط تدهور حاد في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة والرعاية الصحية، بما يجعل انتشار العدوى نتيجة شبه حتمية لهذا الواقع.
وبيّنت الورقة أن تدمير البنية التحتية الأساسية شكّل أحد المحركات الرئيسية للأزمة الصحية، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، إلى جانب تدمير واسع للمستشفيات والمرافق الصحية وتعطل قدرة البلديات على إزالة النفايات والتعامل مع المياه العادمة، الأمر الذي فاقم من تلوث البيئة وزاد من احتمالات انتشار الأمراض المعدية في المخيمات ومراكز الإيواء. كما أوضحت أن هذا الانهيار ترافق مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ما زاد من هشاشة النظام الصحي وعجزه عن الاستجابة للحالات المتزايدة.
وركزت الورقة على التأثير الكارثي للأوضاع الحالية على النساء والأطفال، مشيرة إلى أن النساء والأطفال شكلوا أكثر من 70% من ضحايا العدوان بين شهيد وجريح ومفقود، وأن النساء الحوامل والمرضعات يواجهن أوضاعًا صحية وتغذوية شديدة الخطورة في ظل شح الغذاء، وانعدام الرعاية الصحية الكافية، وتراجع خدمات الدعم النفسي والصحي. كما لفتت إلى أن سوء التغذية الحاد بين الأمهات والحوامل والمرضعات أصبح عاملًا مضاعفًا للمخاطر الصحية، بما في ذلك فقر الدم، والنزيف، والولادة المبكرة، وتدنّي أوزان المواليد، وارتفاع معدلات الوفاة بين الأطفال حديثي الولادة.
وفي محور المجاعة وسوء التغذية، أوضحت الورقة أن المجاعة لم تعد خطرًا مستقبليًا بل واقعًا قائمًا داخل قطاع غزة، حيث يعاني مئات الآلاف من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتواجه عشرات آلاف النساء الحوامل والمرضعات خطر الجوع وسوء التغذية، فيما تلقى أكثر من 12 ألف طفل العلاج من سوء التغذية الحاد في يوليو 2025 وحده. وأضافت الورقة أن الهزال الشديد وضعف المناعة الناتجين عن الجوع ساهما في زيادة الوفيات غير المباشرة المرتبطة بالتجويع، وخاصة بين الأطفال والفئات الأشد هشاشة.
وفيما يتعلق بالخارطة الوبائية، أشارت الورقة إلى أن تفشي الأمراض المعدية في قطاع غزة بلغ مستويات خطيرة وغير مسبوقة، في ظل تراجع القدرة على الوقاية والكشف والعلاج، وانعدام الحد الأدنى من شروط الصحة العامة. ولفتت إلى عودة فيروس شلل الأطفال بعد انقطاع دام 25 عامًا، مع استمرار وجود الفيروس في البيئة بحسب العينات المأخوذة من مياه الصرف الصحي، ما دفع اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية إلى تنفيذ حملات تطعيم جماعية استهدفت مئات آلاف الأطفال.
كما رصدت الورقة الانتشار الواسع لالتهاب الكبد الوبائي (A)، مشيرة إلى تسجيل أكثر من 40 ألف حالة منذ اندلاع الحرب مقارنة بـ85 حالة فقط في الفترة نفسها قبل الحرب، مع تسجيل ما بين 800 إلى 1000 حالة جديدة أسبوعيًا، في مؤشر صريح على الارتباط المباشر بين تلوث المياه والاكتظاظ وتدهور شروط النظافة وبين تفشي هذا المرض. وأكدت أن هذه القفزة الوبائية لا يمكن فصلها عن القيود الشديدة على الوصول الإنساني وغياب تدابير الوقاية والرعاية الطبية الكافية.
وأوضحت الورقة كذلك أن الأمراض الجلدية والتنفسية والمعوية أصبحت من أكثر الأمراض شيوعًا داخل المخيمات ومراكز الإيواء، حيث تنتشر حالات الجرب والقمل وأمراض الجلد المختلفة نتيجة انعدام مواد التنظيف، والاكتظاظ، وصعوبة تغيير الملابس والأغطية وتعقيمها. كما تشكل التهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال الحاد من أبرز الأمراض المنتشرة بين السكان، في ظل تلوث الهواء الناتج عن احتراق بدائل الوقود، وشرب المياه غير المأمونة، وانهيار منظومة الصرف الصحي.
وفي هذا السياق، تضمنت الورقة شهادات ميدانية متخصصة تؤكد خطورة الوضع الصحي، من بينها إفادة الطبيب المختص في علم الأوبئة الدكتور محمد معمر، الذي أشار إلى أن البيئة غير النظيفة، وانعدام المياه الصالحة للشرب، والتكدس السكاني في مناطق محددة دون وجود نظام صحي فعال، كلها عوامل تؤدي إلى تسارع انتشار الأمراض، وتجعل السيطرة عليها شبه مستحيلة في ظل غياب الأدوية وعدم القدرة على علاج المخيمات بشكل جماعي. كما حذر من ظهور أمراض جديدة مرتبطة بالقوارض والنفايات والمياه الملوثة، ومن أن المخيمات باتت تمثل “بيئة وبائية ممتازة” لتكاثر العدوى وانتقالها.
وأكدت الورقة أن أصحاب الأمراض المزمنة وذوي الإعاقة وكبار السن يواجهون مخاطر مضاعفة، بسبب انقطاع الأدوية الأساسية، وتضرر مرافق العلاج، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، ما يرفع احتمالات الوفاة بين مرضى السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والفشل الكلوي، والسرطان، والاضطرابات النفسية. كما أشارت إلى أن آلاف الجرحى والمرضى المزمنين يحتاجون إلى إجلاء طبي عاجل وعلاج متخصص لم يعد متاحًا داخل القطاع في ظل انهيار النظام الصحي واستمرار القيود المفروضة على إدخال العلاج والمستلزمات.
ورأت “حشد” في هذه الورقة أن ما يحدث لا يمكن فهمه باعتباره مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل يعكس سياسة ممنهجة أدت إلى خلق بيئة قاتلة تُستخدم فيها الأوبئة والأمراض وسوء التغذية كأدوات استنزاف جماعي للسكان المدنيين. وأكدت أن تهجير السكان، وحصرهم في مساحات مكتظة، ومنع دخول الأدوية ومواد النظافة، وتدمير البنية التحتية الصحية والمائية، كلها عوامل متراكبة أسهمت في تحويل القطاع إلى بؤرة صحية مفتوحة على احتمالات الانهيار الكامل.
ومن الناحية القانونية، شددت الورقة على أن تعمّد تفاقم الوضع الصحي للسكان المدنيين أو خلق الظروف المؤدية إلى انتشار الأمراض يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقيات جنيف، والبروتوكول الإضافي الأول، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. واعتبرت أن تدمير المرافق الصحية، وتعطيل الأعيان الضرورية لبقاء المدنيين، ومنع الاستجابة الطبية والإنسانية، كلها ممارسات تستوجب المساءلة والملاحقة الدولية.
وفي ختام الورقة، دعت “حشد” إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، واعتبار تعمد نشر الأمراض أو تعطيل الخدمات الصحية جريمة حرب تستوجب التحقيق الفوري، إلى جانب الضغط من أجل ضمان إدخال الإمدادات الطبية ومواد التعقيم، وإنشاء آلية دولية مستقلة للرصد الوبائي في مناطق النزاع بإشراف منظمة الصحة العالمية. كما أوصت بتعزيز برامج الاستجابة الطارئة التي تدمج بين الصحة العامة والأمن الغذائي، ودعم حلول بديلة للبنية التحتية المتضررة، وتوفير فرق طبية متنقلة، وتطوير نظام إنذار مبكر محلي لرصد الأوبئة، وتوثيق الانتهاكات الصحية والبيئية تمهيدًا لاستخدامها في المساءلة القانونية الدولية.
للاطلاع على الورقة بالكامل اضغط هنا