تتسارع التطورات الميدانية في جنوب لبنان مع إعلان إسرائيل إنشاء ما تسميه الخط الأصفر، وهو حزام أمني جديد يمتد بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. ورغم سريان هدنة الأيام العشرة، تواصل قوات الاحتلال عمليات نسف وهدم ممنهجة للمرافق الحيوية في عشرات القرى الحدودية، فيما يبدو أنه تطبيق لسياسة الأرض المحروقة لمنع عودة أكثر من مليون نازح لبناني إلى ديارهم.
فلسفة الخط الأصفر.. من غزة إلى الجنوب
برز مصطلح الخط الأصفر لأول مرة في قطاع غزة كفاصل بين مناطق سيطرة الفصائل الفلسطينية والمناطق التي تخضع للهيمنة العسكرية الإسرائيلية، والتي التهمت أكثر من نصف مساحة القطاع. واليوم، تسعى تل أبيب لاستنساخ هذه التجربة في لبنان لإنشاء منطقة دفاع متقدم تبدأ من البحر الأبيض المتوسط غربا وصولا إلى الحدود السورية شرقا.
ويرى خبراء عسكريون أن الفرق الجوهري يكمن في الشرعية؛ فبينما جاء الخط الأصفر في غزة ضمن تفاهمات معينة، تفرضه إسرائيل في لبنان بشكل أحادي الجانب، محولة المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق الدولي والخط الأصفر الجديد إلى منطقة نار حرة، حيث يعد أي تحرك مدني فيها هدفا مشروعا لإطلاق النار بذريعة إزالة التهديدات.
المنطقة العازلة.. حلم إسرائيلي قديم متجدد
هذه المحاولة ليست الأولى، إذ سعت إسرائيل منذ اجتياح عام 1978 إلى فرض أحزمة أمنية، كان أكبرها الشريط الحدودي الذي استمر حتى عام 2000. والآن، ومع تحذير الجيش الإسرائيلي للمدنيين اللبنانيين من العودة إلى عشرات القرى الواقعة جنوب هذا الخط، تبدو ملامح تهجير دائم تلوح في الأفق، خاصة مع استهداف كل من يحاول الاقتراب من هذه التخوم.
الموقف اللبناني.. بين ضغط التفاوض ووعيد المقاومة
أمام هذا الواقع، تبرز في لبنان مسارات متوازية لمواجهة المخطط الإسرائيلي:
أولا: المسار الرسمي الذي يقوده الرئيس جوزيف عون، ويؤكد أن الهدف من المفاوضات المباشرة هو إنهاء الاحتلال وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دوليا.
ثانيا: مسار المقاومة الذي يرفض هذه الخطوط جملة وتفصيلا، حيث توعد مسؤولون في حزب الله بإسقاط الخط الأصفر ميدانيا، مؤكدين أن بقاء أي جندي إسرائيلي في شبر من الأرض اللبنانية سيقابل بمقاومة مسلحة لطرده.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
يبقى المشهد مفتوحا على احتمالات عدة؛ فبينما تراهن إسرائيل على فرض واقع أمني جديد مستغلة زخم عملياتها العسكرية، يرى مراقبون أن الضغوط السياسية الدولية، وتحديدا من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، قد تفرض تراجعا إسرائيليا مفاجئا.
وبين الطموح الإسرائيلي في تحصين الشمال، والإصرار اللبناني على استعادة السيادة، يظل الجنوب ساحة صراع مؤجل قد تنفجر في أي لحظة إذا ما فشلت الدبلوماسية في إزالة آثار الخط الأصفر الذي يهدد بتقسيم الجغرافيا اللبنانية من جديد.