أحمديان ... وأحمد سعيد ..!
نشر بتاريخ: 2026/04/17 (آخر تحديث: 2026/04/17 الساعة: 18:54)

هل كان يكفي أن تستضيف قناة الجزيرة أستاذاً جامعياً مثل حسن أحمديان ليكشف عرينا إلى هذا الحد ؟.

فقد تحول الشاب الإيراني إلى ظاهرة تمكنت من إحداث جدل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، نظراً للفرق الهائل بين من اعتاد عليهم العرب من ضيوف ملؤوا الفضائيات بفائض من فوضى الكلام وشخصية إيرانية عادية تمكنت من نقاشهم بالحجة والمنطق والعلم بعيداً عن غوغائية اعتاد عليها الضيوف وكثير من المذيعين، إلى درجة يرى فيها الرأي العام بشخصية مثل أحمديان مسألة خارقة قياساً بسطحية ملأت وسائل الإعلام.

لا أرى في المبالغة بالحديث حول الفرق بين مستوانا كأمة وبين باقي الأمم سوى ما يزيد من إحباط لحظة تتعرض فيها الأمة العربية لقدر من الإهانة في صراع بين دول إقليمية لتجد نفسها من يتلقى الصفعات. لكن المسافة تستدعي ما يمكن قوله من مؤجل للحظة تبدأ فيها الأمة جملة مراجعات مشروطة بمعرفتها لقدراتها ومكانتها بعيداً عن مبالغات الشعر العربي ونصوص على شاكلة «لنا الصدر»، ومن تلك المقولات التي أردنا تصديقها نظراً لاستفحال الفقر؛ فقر القوة وفقر العلم وفقر الإرادة وفقر الحضور وفقر الوزن لتكشفنا لحظة تتصارع فيها قوى أقل من العرب عدداً وإمكانيات وجغرافيا لكننا نبدو مثل كيس ملاكمة.

المقارنة فادحة، كان حسن أحمديان يمثل حالة تدافع عن موقفها بلغة علمية، يقابلها سابقاً مستوى كاريكاتوري مثل سعيد زياد للدفاع عن الرواية الفلسطينية فإذا به يتحدث كيف تأكل الجوارح أمعاء البشر وكلام من هذا اللغو الذي كرره زميله في نفس السياق الجنرال الدويري وكلام من مبالغات لا علاقة لها برواية ولا بواقع، وزاد عليها شخصيات بمستوى وزير «نخبة النخبة» لدينا يرد على ضيف آخر بأنه «سيقل قيمته على الهواء مباشرة» إذا لم يحترم نفسه.

فإذا بنا نظهر على حجمنا الحقيقي أمام الأمم، ولم يدهشني ذلك أنا الذي يعرف الفارق بيننا وبين الأمم في العلوم والتكنولوجيا والمؤسسات والسياسة والقانون والرياضة حتى.

لكن أيضاً لا يمكن تبرئة الفضائيات وخاصة الجزيرة التي قدمت للمشاهد العربي هذا المستوى من الضحالة؛ لنظهر على هذه الدرجة من الخواء، كانت خياراتها تزيد من انكشافنا، وأنا أعرف باعتباري قريباً من المهنة كيف تختار تلك القناة ومعاييرها في الضيوف على أساس الولاء للموقف وبعيداً عن الكفاءة والقدرة لنجد أنفسنا جميعاً عراة أمام ضيف إيراني كل ما يملكه أنه يتحدث بالمنطق بعيداً عن الشعارات والديماغوجية والصوت العالي والتهديد الأجوف والشتم.

صحيح أن أحمديان في لحظة ما جسد الفارق بيننا كأمة وأي أمة أخرى.

بين أمم تتكئ على العلم وأمة تتكئ على الصوت والشعار. لكن النظام العربي أي نظام حتى بالصورة الإعلامية كان يتعمد تجسيد تلك الصورة من خلال خياراته في إدارة المؤسسة وفي اختيار ضيوف وفق معايير مخجلة تعود لعصور قديمة، هذا هو مستوى الأمة العربية ونخبها نتاج تعمُّد جهات ما لمصلحة ما تنخيب البعض قسرياً وفرضهم على الفضاء العام للإعلام العربي فيما أن لدى هذه الأمة من طاقات قادرة على التعبير بمستوى مختلف.

وهنا لا يغيب نموذج السفير حسام زملط في الإعلام البريطاني ومقارعته بالحجة والمنطق والعلم ومثله كثيرون لكنهم ليسوا مرغوبين في إعلام الولاءات الساذج .... فهذه الأمة ليست عاقراً حتى لا يبقى فيها سوى ضيوف الجزيرة البسطاء وخيارات موظفيها البسطاء وهي تمارس هذا القدر من الاستخفاف في اختيار الضيوف لتجري المقارنة مع إيراني متوسط المستوى فننهزم فيها قبل أن تبدأ الجولة، وفي زمن السوشيال ميديا تظهر النتائج وردود الفعل بسرعة بين فارق المستويات، ولا يمكن خداع الرأي العام الذي يميز جيداً بين العلم وبين الفهلوة التي تملأ الفضاء العام.

الأمة التي أنجبت محمود درويش في الشعر ومحمد حسنين هيكل في الصحافة ومئات من المبدعين وكبار الكتاب هي أمة غنية، وخصوصاً أن أمة العرب قديماً كانت تتبارى بالكلام لكن المستوى الثقافي العام لا يشبه تلك الإبداعات، حيث تتشكّل المؤسسة في العالم العربي وفقاً للأصول القبلية ومعاييرها ما يجعل كل الحالات العربية التي تشبه أحمديان أو تفوقه هي حالات فردية، لكنها غير مقبولة وتجد نفسها خارج سرب النظم ووسائل إعلامها المفتوحة للبسطاء الذين يكررون ما لم يعد يقنع بل أفقد ثقة المشاهد العربي بكل المحللين والصحافة والضيوف حين حدث هذا التسطيح العام.

بماذا يختلف ذلك المذيع الذي لا يكف عن الصراخ مستبدلاً المنطق بالصوت العالي عن ذلك المحلل الذي يلوح بقبضة يده غاضباً وفخوراً بموت البشر ليرسم صورة درامية عن الجوارح والبطون وعظمة المشهد، وبماذا يختلف هؤلاء عن أحمد سعيد ذلك الإعلامي الشهير في حرب النكسة ووزير إعلام العراق الصحاف وناطقي الفصائل الفلسطينية وضيوف الفضائيات الذين يكثفون المشهد العربي البائس بشكل يختصر كل شيء لدينا ... ربما ما حدث للعربي في زمنه الأخير يستدعي مراجعة يتحرر فيها من الاعتقاد بما علق من أوهام لأن الواقع يصفعنا بشدة ونسقط عند أول اختبار، فكان أحمديان اختبارنا الجديد قبل أن نرسب ... حتى في الكلام.