جورج أورويل يظهر من جديد
نشر بتاريخ: 2026/04/15 (آخر تحديث: 2026/04/15 الساعة: 18:10)

تضمن منهاج التوجيهي لمادة اللغة الإنجليزية فصلاً عن الرواية الشهيرة «مزرعة الحيوان» للأديب الإنجليزي جورج أورويل، ولا غرابة في ذلك، فقد أرادت وزارة التربية توظيفها لمهاجمة ونقد الاتحاد السوفياتي، والقول: إن الثورات الشيوعية والاشتراكية تنتهي بتآكلها من الداخل، ويلتهمها أصحابها. وفي هذا جانب كبير من الصحة، فجورج أوريل أقر بأن روايته تنقد التجربة السوفياتية، لكن ما غاب عن المنهاج أن كل الثورات الشعبية على الظلم انتهت كذلك، وتحولت إلى نظم دكتاتورية.

سأعيدكم إلى أجواء الرواية، تمهيداً لعقد مقاربة مع واقعنا الحالي، لنرى كيف استنسخت النظم والثورات العربية والعالمية نموذج «مزرعة الحيوان»، وطبقته حرفياً.. بدءاً من الاتحاد السوفياتي وإيران، مروراً بكل النظم العربية، وآخرها نظام «الجولاني»، وانتهاء بالأحزاب السياسية التي ادعت المعارضة، والميلشيات المسلحة التي ادعت المقاومة.

كتب أورويل «مزرعة الحيوان» سنة 1945، وروايته الثانية «1984 «سنة 1949، والروايتان تستشرفان المستقبل، وتكشفان بتنبؤ واضح أنماطاً من الحكم الشمولي تقوم على توظيف التكنولوجيا والتضليل الإعلامي للتسلط على الشعوب، كما لو أن الكاتب زار المستقبل واطلع عليه.

تُظهر رواية «1984» كيف يقوم النظام الاستبدادي بأسطرة الزعيم (Big brother)، وتزييف الواقع، وتغيير المعاني، وإرساء قواعد الخوف، وتحويل اللغة إلى أداة للاستلاب والسيطرة، واستخدام القهر والتنكيل لاستعباد الفرد من داخله، وتدجينه، ومصادرة إنسانيته وتفكيره، وجعله جزءاً من القطيع.

أما «مزرعة الحيوان» فتكشف الوجه الحقيقي للاستبداد المختبئ خلف شعارات الثورة، وتبين كيف تتحول الثورة إلى وحش استبدادي تلتهم نفسها ومبادئها وشعاراتها، وكيف تعيد إنتاج القهر والاستبداد بأقنعة جديدة، مع أنها وُلدت من رحم الشعب وحملت حلم التحرر والمساواة!

تدور أحداث الرواية حول مزرعة يملكها إنسان فاسد ومستبد يضطهد الحيوانات (القيصر)، فيقوم الخنزير العجوز ميجر (لينين) بإلقاء خطبة تبث الأمل بين الحيوانات بأن الثورة ستخلصهم من الظلم، وستحقق لهم حلم المساواة والعدالة. وبعد وفاته تقوم الثورة وتنجح في طرد مالك المزرعة والاستيلاء عليها، ويتولى قيادتها ثلاثة خنازير.

يتهم الخنزير نابليون (ستالين) شريكه الخنزير سنوبول (تروتسكي) بأنه متآمر، فيفرّ من المزرعة خوفاً على حياته. ثم يستخدم الكلاب للتخلص من بقية المعارضين، وينصّب نفسه حاكماً مطلقاً، ويؤسس نظاماً دكتاتورياً فاسداً، فيستحوذ على أرباح المزرعة، تاركاً بقية الحيوانات تعاني الجوع والحياة الشاقة.

يقوم نابليون بدعوة أصحاب المزارع المجاورة (العالم الخارجي المعادي) على مأدبة لعقد اتفاق تجاري. وفي هذه الأثناء كانت الحيوانات تراقب الاجتماع من الشبابيك، دون أن تستطيع التمييز بين من هو الخنزير ومن هو الإنسان.

بالتعرف على بقية شخصيات الرواية، سنجد الخنزير الأصغر «سكويلر» يمثل الإعلام ودوره في الكذب وتبرير القمع وتجميل الواقع وإعادة تعريف المصطلحات. الغراب هو المؤسسة الدينية التي تؤدي دوراً رئيساً في تثبيت الاستبداد، عن طريق تأثيرها الروحي والفكري والديني، واستغلال حاجة الناس للأمل، وحديثها الدائم عن الجنة الموعودة، لتُنسي الحيوانات الكادحة واقعها البائس وحياتها الحاضرة القاسية، وتخدر وعيها بالأوهام فيقبلوا الاستبداد مقابل وعد بالخلاص.

الكلاب هي أجهزة القمع، تمارس دورها دون اعتراض للتخلص من المعارضة. الأغنام هي قطيع الجمهور الذي يمارس دوره في الهتاف والتصفيق، ورفض أي صوت ناقد أو متعقّل. الحصان بوكسر يمثل القوى العاملة، التي تكدّ بشرف وإخلاص وتثق بالقيادة ثقة مطلقة. الحمار بنجامين، الصامت دوماً، يمثل السكوت عن الظلم، والسلبية، واليأس من إمكانية التغيير.

بمقاربة أحداث الروايتين وشخصياتهما على واقعنا المعاصر، سنجد تطابقاً مدهشاً، ولأن المقال لا يتسع لذكر كل حالة بالتفصيل، بوسعك التخيل وعقد المقارنات. ضع مكان «نابليون» أي زعيم معروف، وبدلاً من «سكويلر» أي ناطق إعلامي أو محلل سياسي في القنوات الرائجة، وبدلاً من المزرعة ضع أي نظام من العالم الثالث.

بعد أن كانت الثورة تستمد شرعيتها من مقولاتها وشعاراتها ووعودها، صارت تستمدها من السماء، فتحولت إلى شرعية إلهية مطلقة (الحركات الدينية)، ثم تحولت إلى سلطة ثيوقراطية، وأصبحت الطاعة ملزمة، والمخالف كافراً، والنقد فتنة، أو تستمدها من شعاراتها التي ستفسرها وفقاً لمصالحها وتوجهاتها الجديدة (الثورات الوطنية). ومع مرور الوقت واصطدامها بالواقع وبعد سلسلة إخفاقات وهزائم، ستبدأ بترديد مقولات النصر الإلهي الموعود، وضرورة الصبر والتضحية، والشهادة، أو بترديد الشعارات القومية القديمة.

في الواقع كل سلطة وفي خضم الثورة كانت تجّهز آلة القمع والدعاية، حيث ستبرر فشلها وهزائمها بالحديث عن العدو الخارجي (الغرب الصليبي، أو المؤامرة الكونية)، والعدو الداخلي (المرجفون والمنافقون) أو (الثورة المضادة، وأعداء الوطن)، وستستخدمان الخطر الخارجي ذريعة لإسكات كل صوت معارض أو منتقد، أو محتج.

ستحتكر السلطة السلاح والأمن فتتحول مباشرة إلى الاستبداد والقمع، ثم ستبدأ باحتكار تأويل الشعارات والمصطلحات من خلال لعبة إعادة تفسيرها: نحن وحدنا من يمتلك الحقيقة، نحن من نمثل السماء، نحن الشرعية الثورية. تلك الشرعية ستتحول إلى أبدية وكانها شيك على بياض، وهنا سيتداخل الدين مع السلطة مع الأيديولوجيا مع الامتيازات بما يشكل مزيجاً معقداً وصلباً يصعب اختراقه.

يبدأ الإعلام بشيطنة القائد الذي أطيح به وكأنّ المشكلة كانت محصورة بشخصه وليس في بنية النظام، ثم التخويف من العودة للنظام القديم، وعدم وجود بديل، وهكذا تبدأ عمليات التخدير والتأقلم والتدجين مع الواقع الجديد.

وبعد أن شعر الجميع بنشوة الانتصار، وتعلقوا بالأمل، سيُصدمون بالواقع، وأنَّه لا شيء تحسّن، وكل الوعود جرى التراجع عنها، فيخفت الأمل تدريجياً حتى يُصاب الناس بالتبلد واليأس، ويبدأ المجتمع بالتفكك، وتنتشر مظاهر الطوابير الممتدة، وأحزمة البؤس، وتحوّل الناس إلى كتّيبة تقارير ومندوبين يتجسسون على بعضهم البعض في مجتمع تملؤه الريبة والانتهازية.

وهنا تزدهر لعبة الإعلام؛ فتحت وطأة هذا الواقع المرير سيكون المجتمع جاهزاً لتصديق أي شعار يخفف وطأة الألم عنه، ويمنحه بعض العزاء أو خيطاً من الرجاء (الغامض). باختصار سنكون أمام وجه جديد للاستبداد، بشعارات مختلفة.

بالعودة للرواية، أراد أورويل أن يثبت لنا أن الاستبداد لم يكن قوة خارجية، بقدر ما هو بذرة كامنة في كل نظام، أو في بنية المجتمع نفسه، أو هي صفة كامنة في النفس البشرية. وهذه البذرة تنمو وتلك الصفة تتحول إلى سلوك عادي من خلال تغييب الوعي والتلاعب بالأفكار والمسميات.

الزعيم الذي بدأ مناضلاً مخلصاً لشعارات الثورة لم يأتِ من الخارج، بل من نواة الثورة نفسها، ثم تسلل الاستبداد إلى عقله أمام إغراء السلطة والقوة والامتيازات، ثم إلى محيطه والطبقة الحاكمة، ثم إلى الجماهير عبر الأفكار المشوهة، والتضليل والخوف.

الدكتاتورية لا تحتاج إلى جيوش وأجهزة أمنية، بل فقط إلى رواية جميلة، ومتحدث بارع يفرغ اللغة والأفكار من معانيها، ويحوّلها إلى أداة قهر ومخدرات فكرية.

كل ثورة لا تقدر قيمة الإنسان تتحول إلى وحش، وحين لا تمارس النقد والمساءلة تتحول إلى نقيض مشوّه لكل ما نادت به، فالاستبداد لا يجسده الطاغية بشخصه، بل يجسده غياب المؤسسات، والقطيع الذي يتنازل عن حريته مقابل الأمان، وكل شخص يتنازل عن حقه في التفكير والتعبير والاختلاف.