دقائق ترامب الـ 19 كسرت "الأواني السياسية المستطرقة"
نشر بتاريخ: 2026/04/02 (آخر تحديث: 2026/04/02 الساعة: 21:41)

أشاع البيت الأبيض وفريق الرئيس الأمريكي جوا فريدا حول "الخطاب التاريخي" الذي سيلفيه ترامب مساء يوم الأربعاء، مع بث مقتطفات متحركة فيما قد يكون، من "مفاجآت سياسية" للمشهد القادم، بعد مسلسل تصريحات حول موعد 6 أبريل كخط النهاية، وحربا جانبية على دول أوروبا دون استثناء، ومعها حلف الناتو.

ومع نهاية خطاب ترامب، ظهر بدون عمق التحليل، ووفقا لكل من ليس "ترامبي الولاء الأعمى" بأنه أحد أكثر خطاباته ارتعاشا وارتباكا، فلا يمكن أن تجد به جملة مفيدة مكتملة حول ما يريد حقا، فتجد كل المتناقضات، من انتهاء التهديد النووي وإزالة الخطر الإيراني، إلى تهديد بإرجاعها للعصر الحجري.

مسار خطاب ترامب، عكس بوضوح، غياب رؤية محددة لجوهر الأهداف التي يريدها سوى السيطرة على الطاقة وممرها الخاص، دون ذلك يجب البحث في قواميس خاصة لمعرفة ما يريد، في المستقبل، ولعل رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر، قدم تلخيصا مكثفا لخطاب ترامب، "بأنه كان فوضويا مثيرا للشفقة وأحد أكثر خطابات الحرب تناقضا في تاريخ البلاد".

ولم تنتظر بورصة الأسهم والأسعار فسريعا تجاوبت بشكل سلبي تماما مع خطاب ترامب، حيث انخفضت الأسهم وارتفعت أسعار ‌النفط، كمظهر انعكاسي سلبي، خلافا لما كان قبل أيام من حديث عن إعلان جدول زمني لنهاية الحرب.

كان ملفتا في خطاب ترامب، أنه مر مروا عابرا على "شركاء الحرب" في دول الخليج، مكتفيا بتوجه الشكر لها كما دولة الاحتلال، رغم ما تكبدته ثمنا لحرب لم تكن حربها، فيما قفز عن معاركه مع الناتو ودول أوروبية، رغم أنها كانت الهدف المركزي قبل ساعات من الخطاب الأخير، ما يمثل مظهرا آخر من مظاهر التيه التي ميزت الخطاب.

ترامب، وهو يتحدث عن تحقيق "الأهداف" غير المحددة والمتحركة، تجاهل كليا الإشارة إلى المفاوضات التي أعلن عنها، ودور باكستان في ترتيب لقاء مباشر أو افتراضي، لكنها تقوم بدور واضح، بدعم مباشر من قوى إقليمية، مصر، السعودية وتركيا، ودولية كما الصين وروسيا، وكان له أن يحدد إطار المفاوضات القادمة، وأسسها، بدلا من الغرق في وصف أحداث ترضي "غروره السياسي".

ربما يرى البعض، أن خطاب ترامب ذي الـ 19 دقيقة لا يعكس حقيقة الموقف الأمريكي من الحرب الدائرة، في ظل الحشد العسكري المتزايد بشكل ملفت، خاصة مع وصول حاملة طائرات جديدة لمنطقة العمليات العسكرية، وزيادة عدد القوات البرية لما يصل إلى 50 آلف عنصر، ما يشير إلى أن الهدف المركزي لم ينته بعد.

لعل خطاب ترامب يفتح الباب لإعادة تفكير البعض العربي، خاصة دولة الخليج، والذي ذهب البعض منهم متسرعا في إبداء "روح النصر"، وبأن الطريق بات ممهدا لصياغة تحالف إقليمي جديد، قوامه أمريكا ودولة الاحتلال كمظلة واقية دون تحديد الأهداف الحقيقية لذلك، رغم أن مسار المعارك لم يتوافق مع تلك "الخلاصة".

خطاب ترامب ذو الـ 19 دقيقة، فرصة لاستعادة التقييم خارج نظرية "التحالف مع الثنائي الأمريكي- الإسرائيلي"، والذهاب نحو عقد لقاء عربي مصغر يضم دول الخليج ومصر والأردن لتقييم ما كان، بكل الملاحظات التي أشار لها البعض الخليجي من قصور في آلية الردع العربي، ووضع آلية عمل تستفيد من لقاء إسلام آباد، والغضب الأوروبي إلى جانب روسيا والصين.

الوقت لم يذهب بعد، رغم مرور 33 يوما على حرب إيران، لوضع مسار عربي خاص فيما سيكون ما قبل اليوم التالي وما بعده، بعيدا عن "حساسيات" لم تخدم دول المنطقة، ولن تخدمها، وكل محاولة لاستبدال تفاعل عربي بتفاعل مع طرف هو بالأصل عدو مركزي لن يكون لها مستقبل سياسي.

خطاب الـ 19 دقيقة، ليس سوى محاولة بائسة لتعميم "مبدأ ترامب" في السياسة الخارجية، "أمريكا أولاً"، بالضغط المباشر لتحقيق مصالح اقتصادية، ما يُشبّه "نظرية الأواني المستطرقة"، حيث يرى أن الضغوط (كبس السائل) تؤدي إلى إعادة توزيع القوة والتحالفات، ليتساوى مستوى النفوذ في النهاية في أوانٍ مختلفة (حلفاء وأعداء)، دون اعتبار للقوى الإقليمية العربية.

خطاب ترامب إنذار مبكر للأطراف العربية قبل غيرها، لتعيد التفكير في خيارها، لرسم رؤية استراتيجية تخدم مستقبلها، خاصة وأن العالم، بأجمعه تقريبا، يقف في سياق مختلف مع السياق الأمريكي للحرب.