الأهداف الحقيقية للحرب
طلال عوكل
الأهداف الحقيقية للحرب
أكثر من خمسة أسابيع منذ بداية حرب، اعتقد من قام بإشعالها أنها لن تستمر أكثر من عشرة أيام إلى أسبوعين، حتى تصل إلى نهايتها بإعلان الانتصار الحاسم، وتحقيق الأهداف المباشرة، والمضمرة، ولا يزال الباب مشرعاً أمام المزيد من الوقت، بالرغم من نجاح الوساطة في وقف الحرب لأسبوعين وإجراء مفاوضات، بصرف النظر عن محاولات رئيس أميركا، تشتيت الانتباه حول الأهداف الرئيسة التي تقف خلف هذه الحرب، ومؤشرات تراجعه أحياناً عن بعضها وتفسير بعضها الآخر على طريقته الخاصة، إلّا أن الهدفين الأساسيين الكبيرين هما: أوّلاً، التخلص من النظام الإيراني، الذي يمهّد للهدف الثاني وهو السيطرة الكاملة على النفط والغاز في كل منطقة الخليج العربي بما في ذلك الإيراني.
السيطرة الكلية على نفط وغاز الخليج وإيران، من شأنه أن يحقق أهدافاً أخرى، منها قطع «طريق الحرير» أمام الصين، وقفل طريق روسيا إلى المتوسط، والتحكّم بالتجارة الدولية عَبر ممرّات المنطقة، هرمز، وباب المندب وقناة السويس.
الحديث يدور عن أهداف إستراتيجية خطيرة، تصب في مصلحة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، وتغيير خارطة القوة في المنطقة لصالح الحلف الأمروإسرائيلي.
وبينما أعلن ترامب غير مرّة أنه يريد أن يستولي على النفط الإيراني، باعتبار أن الاستيلاء على نفط وغاز الخليج، سيكون مجرّد تحصيل حاصل، فقد كشف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن جزء آخر من الخطّة.
نتنياهو أعلن، طبعاً في حال تحقق الانتصار على إيران، حتى لو استمر النظام ضعيفاً، أن ثمة بدائل مهمة لتجاوز المضائق، وطرق التجارة، ومرور النفط والغاز.
نتنياهو يقترح، أو أنه يخطّط، لتحويل طريق النفط والتجارة نحو «الغرب»، والمقصود إقامة شبكة أنابيب برّية عملاقة تنقل النفط إلى الموانئ الإسرائيلية على المتوسّط، ومنها إلى أوروبا والعالم.
في وقت سابق كان نتنياهو قد اتفق مع «دول الخليج الإبراهيمية»، لإقامة طريق برّي يربط الهند بالخليج، وعَبر العربية السعودية والأردن بالبرّ والموانئ الإسرائيلية.
هذا الخطّ مرهون، أيضاً، إنجازه بممارسة ضغط على العربية السعودية، لتطبيع علاقاتها بالدولة العبرية.
في هذه الحالة، فإن الولايات المتحدة، ستتحكّم في الجزء الأكبر من إمدادات الطاقة العالمية بعد الاستيلاء على النفط الفنزويلي، ومضيق بنما، ما سيعزّز قدرتها على خوض التنافس مع الصين وروسيا.
أما دولة الاحتلال فإنها ستتحكّم في عقد تصدير النفط والغاز وسلاسل الإمداد، عَبر موانئها في المتوسط، فضلاً عن أنها ستبسط هيمنتها دون منازع على الإقليم، وتتحكّم في أمنه واستقراره، وسيادته.
الأهداف كبيرة وذات أبعاد إستراتيجية مجزية للطرفين الأمروإسرائيلي في حال نجاحهما في إلحاق الهزيمة بإيران.
وإذ يبدو أن أميركا حريصة على دول الخليج والعربية السعودية، فإنها في الواقع تدفع كل الوقت نحو زجّها في الحرب، لتعريض منشآتها الاقتصادية وبنيتها التحتية لخطر التدمير، بحيث ما أن تتوقف الحرب، حتى تكون في أضعف مكانة ممكنة، لا تمكّنها من رفض أي طلبات أمروإسرائيلية.
إيران لا تكفّ عن الإعلان عن أنها لا تستهدف دول الجوار وإنما تستهدف القواعد والمصالح الأمروإسرائيلية، وتنفي مباشرة أنها من تقوم باستهداف منشآت سعودية وخليجية كما تدّعي دولة الاحتلال.
يبدو أن هذا المخطط، وما يرافقه من محاولات خبيثة لجرّ دول الخليج نحو الانخراط في الحرب، فضلاً عن أهدافها النهائية لم تعد خافية على أحد بما في ذلك وأساساً العربية السعودية وقطر وعُمان.
وحتى الدول الأخرى، التي لا يبدو أنها على دراية بتلك الأهداف، فإنها في الحقيقة تدرك ذلك، ولكنها منخرطة في تلك المحاولات، وشريك في المخططات الأمروإسرائيلية.
وبرأينا من المبكر الموافقة على الاستنتاج الذي يرى أن ترامب قد غرق في المأزق وبات يفكر فقط في طريقة الخروج منه دون رجعة.
حديث ترامب عن قرب انتهاء المهمة خلال أسبوعين أو ثلاثة كما يدّعي، ينطوي على خدعة، تماثل خدعة المهل التي أعلن عنها بضع مرّات، وتوقفت عند إعلان قبوله وقف القتال لمدة أسبوعين.
إثر نجاح الوسيط الباكستاني في الحصول على موافقة الطرفين الأميركي والإيراني على وقف القتال لمدة أسبوعين فوراً فيما تبدأ مفاوضات في إسلام أباد استناداً إلى الشروط العشرة التي قدمتها إيران، وأعلن ترامب أنها صالحة لأن تكون أساساً للمفاوضات، بدا وكأن الحرب ستضع أوزارها تماماً، غير أنه لا يمكن الوثوق بترامب المعروف عنه تقلّبه، واستداراته المفاجئة، فضلاً عن أن نتنياهو الذي أعلن موافقته على ما جاء على لسان ترامب، عاد وأعلن أن الاتفاق لا يشمل الحرب الدائرة على لبنان.
القصف الإسرائيلي والعمليات العسكرية العدوانية على لبنان لم تتوقف رغم إعلان الوسيط الباكستاني أن الاتفاق يشمل لبنان وجبهات أخرى، وهو ما ورد في الشروط الإيرانية، ويبدو أن ترامب لم يعترض عليه.
نتنياهو الذي أدمن خوض الحروب، ولا يجد أي مصلحة له في وقفها، فإن توقفت على جبهة فإنه يسارع إلى فتح جبهة أو جبهات أخرى، ولن يتوقف عن محاولة إفساد الاتفاق، وهو كان عبّر أكثر من مرة عن قلقه إزاء إمكانية وقف الحرب، وفتح الطريق أمام تسوية دبلوماسية.
يزداد عناد نتنياهو، خصوصاً أنه فشل في تحقيق أي من أهدافه وأن محصلة الحرب حتى اللحظة تؤشر على انتصار إيراني، بدأ بعض المحلّلين الإسرائيليين يتحدثون عنه بوضوح.
من المبكر إذاً البناء على ما تقدم، وهو في مصلحة إيران طبعاً، فالباب لا يزال مفتوحاً على احتمالات شتّى، يمكن أن تؤدّي إلى فشل كل المخطّطات الأمروإسرائيلية التي تحدثنا عنها، ما سيغيّر وجه المنطقة إلى عكس ما أراده من بادر إلى شن الحرب، ولكن هل يسلم ترامب ونتنياهو، أو أحدهما بمثل هذه النتائج؟.