- خاص - نور عليان
"أقدم أسير فلسطيني".. جملة قد تُصيب قارؤها بالذهول الذي بهتت فيه كُل طرق ووسائل الحياة، حيث لا شيء قد تتضمنه تلك الجملة سوى نفقًا هائل الظلام لا لون ولا أثر لحياة فيه.
حتمًا كل العقول والقلوب حينما تسمع تلك الجملة قاحلة الحياة ستتجه نحو الأسير المخضرم " كريم يونس" والذي تم اعتقاله بتاريخ السادس من يناير للعام 1983م .
من بعد هذا التاريخ الذي كان بداية الظلام لحياة يونس، أجيال وُلدت وترعرعت وكبرت، وأخرى خط الشيب شعرهًا يأسًا وهي تنظر لأفق الحرية، أحداث عدة كتبت مسيرها على تاريخ القضية الفلسطينية، وآمال نبتت في رحم شمس تبشر بالنصر منتظرة يوم الوعد بالحرية ، شهداء رووا الأرض بطهر دمائهم، وأسرى آخرون أضيفوا إلى عداد ذلك النفق الحالك الذي لا يعرف سوى انتظار وهج الفرج، والأسير كريم يونس ما زال ينتظر أن يعانق وهج الشمس وهي حرية عينيه اللتان مل الظلام منهما، والده لم يصمد أمام عاصفة الانتظار فركل حياته بعيدًا عن عذاب انتظاره ابنه، أما أمه فقد كانت صابرة على الدمع أربعون عامًا وما ابيضت عيناها لأن بداخلها أمل بالحرية يهتف بين الحين والآخر، أمه التي ما رف لها جفن وهي تنتظر أسيرها المخضرم أربعين عامًا حتى زارها جبروت الموت التي لم تستطع صده، ففارقت الحياة وطيف ابنها يلوح لها في الأفق وقد فك قيده وعلى وجهه ابتسامة صبر وظفر.
لماذا اعتقل كريم يونس؟
اعتقل كريم يونس في 6/1/1983 على يد قوات الاحتلال أثناء تواجده في جامعة "بن غوريون" وهو في الـ23 من عمره، وحينذاك كانت قوات الاحتلال قد اقتحمت منزل عائلته في قرية عارة للبحث عنه قبل ليلة من اعتقاله، وحينما اعتقل لم يعرف أهله في البداية مكانه وبحثوا عنه لأشهر عدة إلى أن استطاع المحامي العثور عليه في سجن عسقلان.
اتهم يونس بالانتماء إلى حركة فتح والانخراط في المقاومة المسلحة، وأيضا قتله لجندي من جيش الاحتلال، في حينها حكم عليه بالإعدام شنقا، ثم خفف الحكم إلى المؤبد المفتوح، إلى أن جاء عام 2015 وحددت محكمة الاحتلال بالسجن 40 عاما، وبهذا يكون كريم يونس أقدم أسير في فلسطين والعالم، وللأسف لم تشمله صفقات تبادل الأسرى، ورفضت سلطات الاحتلال مرات عدة الإفراج عنه، بذريعة حمله الجنسية "الإسرائيلية" وهذا ما يعده الاحتلال شأنا داخليا.
ماذا حدث في تموز2013؟
كان من المفترض أن يتم الإفراج عن كريم يونس ضمن اتفاقية وقعت في يوليو/تموز 2013، بين السلطة الفلسطينية والاحتلال "الإسرائيلي"، تقتضي الإفراج عن الأسرى القدامى المعتقلين قبل اتفاقية أوسلو، لكن سلطات الاحتلال تراجعت بعد إفراجها عن الدفعة الرابعة، والتي تضمنت 30 أسيرا، منهم 14 أسيرا من الداخل الفلسطيني، حينها رفض يونس أي ابتزاز بحقه، وعارض أشكال التمييز والفصل والمساومة كافة بين الأسرى من الداخل أو غزة أو الضفة والقدس، وكان أبرز رموز الحركة الأسيرة التي تكونت داخل الخط الأخضر عام 1967، والتي أثبتت دورها الكبير في مشروع النضال والحركة الوطنية.
كيف ساند كريم يونس الأسرى؟
عزلت سلطات الاحتلال كريم يونس مع القيادي مروان البرغوثي في سجن الجلبي جنوب حيفا؛ بهدف كسر إرادة الأسرى الذين دخلوا في إضراب مفتوح عن الطعام، وقضى يونس حياته، في النضال والكفاح من أجل حرية وكرامة فلسطين وشعبها، وخلال فترة اعتقاله تزوج أشقاؤه وأنجبوا أطفالا لم يتعرف عليهم، وبعد 24 عاما من اعتقاله، توفي والده، وتحققت مخاوف والدته التي لم تخشى الموت، بل كانت تخشى أن تموت قبل العيش مع ابنها حرا بين يديها.
لم يتطلع كريم يونس لخلاصه، بقدر ما كان ينتظر حرية الشعب الفلسطيني من قيود الاحتلال وغطرسته، ورغم أنه تعرض للعذاب والعقاب والعزل والنفي من سجن لآخر، إلا أنه لم يتأخر عن المشاركة في إدارة دفة الصراع دفاعا عن الحركة الأسيرة، ولم تنل منه سنوات الاعتقال ولم تؤثر على معنوياته ومبادئه، وكان يرفض دائما استخدامه للضغط السياسي على القيادة الفلسطينية، على حساب الحقوق الأساسية الثابتة والمشروعة للشعب، وأصبح يونس أيقونة الصبر والمقاومة، وقدوة للأسرى كافة في سجون الاحتلال.
ماذا حدث في العالم خلال فترة اعتقاله؟
في فلسطين: حدثت الانتفاضة الأولى والثانية، وعاش قطاع غزة خمس عدوانيات شنتها سلطات الاحتلال، وهبات من السكاكين، ومعاهدة أوسلو التي تمت عام 1993، وتأسيس السلطة الفلسطينية، واستشهاد القائد الأب ياسر عرفات.
أما في أزمات العالم، انهار جدار برلين وجدار الاتحاد السوفيتي، والأزمة المالية العالمية التي حدثت في 2007-2008، كما قامت أمريكا بغزو العراق وأفغانستان، إضافة إلى أحداث الـ11 من سبتمبر، وغزو الكويت.
تحرر جنوب لبنان، وإنهاء نظام "الأبارتهايد" في جنوب إفريقيا، ولم ننس ثورات الربيع العربي.
لقد مر على العالم خلال فترة اعتقال كريم يونس 39 رمضانا، و78 عيدا، وتضاعف عدد البشر من 4 مليار نسمة إلى 8 مليار نسمة، ولم ننس كأس العالم الذي تم عقده خلال فترة الاعتقال 10 مرات.
لم يكن خلال فترة اعتقاله تطورا تكنولوجيا، حيث تم اختراع "اللاب توب" و"الموبايل"، والانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، و"الدرون"، والعملات الرقمية، والأجهزة الذكية.
"كريم يونس".. هل أصبح حرا؟
أفرجت سلطات الاحتلال اليوم الخامس من يناير عام 2023، عن الأسير كريم يونس، بعد 40 عاما من الظلام، لكن السؤال الحقيقي هنا: هل أصبح كريم يونس حرا أم أن زنازين الوقت توقفت عند العام 1983، هل عانق الحرية ووالديه في حضن السماء، وشوارع مدينته وبلدان دولته تغيرت معالمها، كيف سيمر الوقت عليه أمام شمس الواقع، وكيف سيروي التاريخ صبره وصموده أمام محتل جبان تركه خارج السجن وهرب خوفا من هيبته؟