شيء غريب يجب أن يحدث لحياتي، تلاحقني هذه العبارة أينما ذهبت، أنا منذورة لفعل كبير، تغيير زمن، ومحاولة تصحيح أخطاء كبرى. منذ صغري وأبي يقول لي: فيك اشي يا بابا غريب، اشي جبّار يشبه الصرخة أو الجبل، الله يحميك. كان يمسك بيدي ويتجول بي في كل أحياء يافا، إلى أن نتعب ونجوع فنذهب إلى (ساحة الساعة) لتناول وجبة فول مدمس من مطعم فتح الله.
في طريق العودة، كنا نشاهد الناس وهم يتراكضون بفزع، تاركين أغراضهم في الطرقات، فنركض أنا وأبي إلى حيّنا المنشية، وفي الطريق كان أبي يشتم الصهاينة، ويتذكّر بحزن وغضب صديقه الشهيد فوزي الذي قتله الصهاينة بينما كان عائداً إلى بيته من عمله في شركة السكب الفلسطينية، بوجهه المتوتر، كان يحيط وجهي بكفّيه الضخمتين ويصيح: كوني يا ليلى فلسطينية أكثر من اللازم.. إياك والتوقّف عن ذلك، حتى لا تموت لك صديقات في الطريق.
في الليل وصلت الأخبار عن ارتقاء سبعة شهداء من قنبلة ألقاها الصهاينة على سوق الحبوب. كان أبي معلم لغة عربية محبوباً من تلاميذه، تخرّج في دار الكلية العربية بالقدس عام 1935، وهو معجب جداً بشخصية خليل السكاكيني وأسلوبه في التعليم، وكان دائماً يردّد مقولات السكاكيني الشهيرة: "إعزاز الطالب لا إذلاله، وإن القوّة البدنية معرفة أيضاً".
رأيتها من نافذة صفّي.. قامة طويلة، شعر أسود قصير، من تكون هذه الجميلة؟ كنت في الصف العاشر بمدرسة بنات يافا في حيّ المنشية، طالبة يافاوية مجنونة، في داخلي توق دائم مجهول إلى شيء مذهل لا أعرف ما هو. اسمي ليلى شنطي، يافاوية، من حي المنشية، سمعت الطالبات في الصف يتحدّثن عن معلمة جديدة دخلت قبل قليل بوابة مدرستنا، استنتجنا أنها بديلة عن معلمتنا هناء أبو لغد التي استشهدت مع أمها وأختيها في هجوم للصهاينة على حديقة ساحة بلدية يافا، بينما كن يأكلن البوظة التي اشترينها للتوّ من (محل الشامي) الشهير للبوظة.
دخلت معلمة الرياضات الجديدة صفّنا، كانت جميلة وطويلة، وثمّة نظرة حادّة وودودة في عينيها. أنا مهيبة خورشيد.. قدّمت نفسها، وجلست تحكي لنا عن الرياضات والورد وفلسطين: (لا خير فينا إن صمتنا، لا مستقبل لنا إن جبنا)، ثم طلبت أن نفتح كتاب الرياضيات، مضيفة جملة غريبة لم نفهمها: إذا أردنا أن نهزم أعداء الأمة، علينا بالتفوق في مادة الرياضيات. ضحكت بعض الطالبات، وضحكت هي معهن، وطلبت منا أن نتأمّل العلاقة بين الرياضيات والوطن. أحبّ زهرة الأقحوان، أتدرون لماذا؟ وراحت تسهب في وصف هذه الزهرة، ثم أضافت جملة أغرب: إذا أردنا أن نحب فلسطين، علينا أن نحبّ زهرة الأقحوان. ألغاز "المس" مهيبة حيّرتني وحيّرت طالبات المدرسة، لم تكن تشرح كثيراً، قالت لنا مرّة: الشرح ضعف، والإيماءات قوّة وجمال وخلود.
في البيت قلت لأبي: اشترِ لي باقة من زهر الأقحوان، رأيت الأقحوان أخيراً، ولم أفهم شيئاً من ألغاز المس مهيبة، مشهد القرص الأصفر الذي يشبه الشمس، المحاط ببتلات بيض، كان ساحراً، لكني لم أقدر على استخراج دلالات وطنية منه.
في صباح اليوم الثاني، دخلت المس مهيبة صفنا وهي تبكي. ماذا هناك يا مس؟ لا شيء، لا شيء. ما الذي تخفيه عنّا المس مهيبة يا بنات؟ سألت بنات صفي. أجابت إحداهن أن أمها عضوة في جمعية خيرية لمساعدة المحتاجين، اسمها زهر الأقحوان، تترأسها المس مع أختها ناريمان، وأن مس مهيبة تفكّر في تحويل هذه الجمعية إلى تنظيم لمقاومة اليهود؛ بعد أن رأت المس مشهداً صادماً لاستشهاد طفل أمامها كان برفقة أمّه، وأن ناريمان نفسها أيّدت الفكرة لأنها أيضاً شاهدت بأمّ عينيها هجوماً صهيونياً على حافلة فلسطينية.
لحقتها وهي تخرج من المدرسة، كانت أختها ناريمان بانتظارها، كانتا تقفان وراء سور تتحدثان بصوت خفيض، اقتحمت حديثهما بصوتي المتحمس: أريد أن أكون بتلة في الزهرة، يا مس مهيبة، أريد أن أكون فلسطينية أكثر من اللازم. عانقتني المس بقوّة وهي تبكي، وعانقت عناقنا ناريمان بدموعها هي الأخرى.
في تلك الليلة المجنونة، تذكّرت إحساسي القديم بأن حياتي ستتغير، وأنني منذورة لمحاولة تصحيح خطأ، كنّا اثنتي عشرة امرأة وسبعة رجال، طلبت قائدتنا مهيبة منّا جميعاً أن نجمع مئة عود شجرة، ونغرزها في الطريق الرملي بين يافا ومستوطنة "بات يام". انهمرت رصاصات عصابات "بات يام" على عيدان الشجر، ووقعت، فظنّ الأعداء أننا سقطنا، فهدؤوا وبدؤوا يخرجون من كمائنهم، فانهمرنا عليهم بالرصاص، وقتلنا العشرات.
وأين هي مهيبة الآن يا معلمتي ليلى؟ سألتني طالبة في مدرسة بنات مخيم إربد بالأردن
ماتت عام 2000 في القاهرة.
أطرقت طالبات المخيم، وأطرقت أنا، سمعت حشرجة أنفاس في الصف الأخير من الصف. افتحوا يا بنات كتاب الرياضيات على صفحة رقم 48. فتحت الطالبات الكتب على الصفحة، ولاحظت طالبة قريبة من المس ليلى ظلاً لوردة في صفحة كتاب المس.