حذارِ من التسمين والتخصيب
نشر بتاريخ: 2026/11/03 (آخر تحديث: 2026/11/03 الساعة: 19:50)

بعد الكارثة التي حلّت بنا، لم يتخلَ العدو عن محاولاته تخصيب وتسمين حماس نظرياً، وهذه إحدى أخطر حيله القديمة الجديدة، التي يتقصّد بها كل عدو له، لتبرير الاستمرار في شن الحرب للإجهاز عليه!

المفارقة العجيبة، هي أن يشارك أي طرف، عدوّه، في عملية تسمين ذاته، كما يفعل الإيرانيون الذين يجري كلامهم بلسان مسؤولين، ملوّحاً بالقدرة على الفتك الحاسم، وأيضاً على جاهزية "حزب الله" على النحو الذي يتجاوز طاقته ومقدرته، دونما اكتراث لحقيقة النكبة العسكرية التي حلّت بالطرفين وجعلت بلديهما في مرمى نيران العدو عن قرب ومن بعيد.

كأنما محض التوصل الى وقف إطلاق النار، يوفر سبباً لادعاء النديّة، وللقول إن الآلام والخسائر الفادحة لم تذهب سُدى، علماً بأن وقف إطلاق النار لم يؤد إلى انسحاب العدو. فالمحتلون باقون على الأرض في لبنان وفي غزة المدمرة، وفي بقائهم تتوافر الذريعة السياسية النظرية للاستمرار المقاومة لو توافرت وسائلها، وهذه الوضعية نفسها هي التي تدفع العدو الى كلام التسمين والتخصيب، لكي يظل "طرفنا" معرضاً للهجمات والنزف، من عدو همجي وعنصري لا يلتزم بوقف النار أصلاً!

الحال في غزة اليوم مختلف، وما يجري فيها أصعب بكثير مما يجري مع "حزب الله" ليس فقط على مستوى الإمداد بوسائل القوة وسلاح التصدي. فغزة مغلقة تماماً ومحاصرة من كل جانب. أما في لبنان فقد بقيت وسائل أو طرق في أضيق الحدود، تبرر التسليم بأن "الحزب" ربما يُعيد بناءه العسكري. ذلك بخلاف أن قاعدة "الحزب" الاجتماعية تتحرك في بلد مفتوح، وما تزال طليقة وهي في منأى عن الخنق البات الذي يجعل الحياة عذاباً، كما هو الحال في غزة.

في المحصلة، يظل لدى كل طرف شارك في القتال، ما يفخر به ومعه شعبه. ومن العيب إنكار حق المقاومين والشهداء، في الإقرار ببسالتهم، ولا نجافي الحقيقة إن قلنا إن هؤلاء المقاومين الفلسطينيين في غزة (ومعظمهم باتوا من الشهداء) أبلوا بلاء عظيماً في التصدي للعدو، ويجدر بشعبهم وبسائر العرب وأحرار العالم، أن يشهدوا لهم بالنُبل وبأقصى الشجاعة والإيثار. فليس المقاتل هو الذي قرر شن الهجوم يوم 7 أكتوبر 2023 لكنه هو الذي أظهر إيماناً وبسالة غير مسبوقتين ولم يكن لهما مثيل في تاريخ حروبنا الدفاعية مع العدو، منذ الغزو الصهيوني لبلادنا.

اليوم فرضت حقائق القوة، وحقائق الإمداد، وحقائق التحالفات، وحقائق الجغرافيا والتَغلّب؛ منطقها الطبيعي. عندئذٍ ينبغي الحذر في كلام السياسة والتركيز على مظلومية شعبنا. فالعدو الذي استطاع إخماد الفاعلية العسكرية في جانبنا، لن يستطيع إخماد القضية رائجة التأييد لدى شعوب العالم، ولن يستطيع تبييض وجهه الذي بات أكثر تلطخاً بالشحار وبدماء الأبرياء، أمام هذه الشعوب وأمام كل إنسان حر ومنصف. فالأجدر ألا نشارك العدو، في ألاعيب الكلام عندما يتعمد تسمين وتخصيب وضعنا العسكري كذباً. ولا حرج في القول، إننا لم نكن ولن كون قادرين على إلحاق الهزيمة بالدولة الأقوى في العالم ومعها ذيلها الصهيوني!