في غزة، لم تعد المجاعة حكايةً من حكايات التاريخ عن قحط الطبيعة وجفاف الأرض، بل أصبحت مأساةً يصنعها واقع الحرب والحصار، حين يتحول رغيف الخبز إلى أداة ضغط، وقطرة الماء إلى أمنية، والخيمة إلى ملاذ أخير في مواجهة الموت والنزوح. وفي عالم تحكمه المصالح السياسية، لم يعد الجوع دائمًا نتيجةً لكوارث الطبيعة، بل بات خطرًا قد توظفه أطراف الصراع لتحقيق أهدافها، فيما يدفع الأبرياء الثمن من حياتهم وكرامتهم.
منذ اندلاع الحرب على غزة، شكّل الحصار والقيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء والمساعدات أحد أبرز وجوه المعاناة الفلسطينية. وفي مراحل الحرب المختلفة، تداخلت الضغوط الإنسانية مع الصراع على الأسرى والتفاوض بشأنهم. واليوم، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية، يفرض الواقع سؤالًا سياسيًا مهمًا: هل تتحول معاناة أهل الخيام في غزة إلى ورقة ضغط في الحسابات الانتخابية لبنيامين نتنياهو؟
لا يمكن الجزم بأن التجويع يُستخدم لتحقيق مكاسب انتخابية من دون أدلة واضحة، لكن تزامن استمرار المعاناة الإنسانية مع صراع الأحزاب الإسرائيلية على الحكم، وتصاعد مواقف اليمين المتطرف الداعية إلى تهجير الفلسطينيين، يفتح الباب أمام قراءة سياسية لتداخل الحرب ومصالح الائتلاف الحاكم وحساباته الانتخابية. فهل تصبح معاناة الفلسطينيين جزءًا من معادلة البقاء السياسي، بينما تتسابق القوى المتصارعة على السلطة؟
المفارقة أن الفلسطيني المحاصر لا يملك ترف الانتظار؛ فالطفل يريد طعامًا، والمريض يحتاج إلى دواء، والنازح يبحث عن مأوى يحميه. وبينما تتصارع الحكومات على النفوذ، يفتش شعبنا عن الحياة تحت الركام، ويواجه الجوع والعطش في خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.
إلى العالمين العربي والغربي: هل ينسجم الصمت عن تجويع المدنيين مع القوانين الإنسانية الدولية؟ وما قيمة المساعدات إذا ظل وصولها خاضعًا للقيود والتحكم؟ إن شعبنا لا يحتاج إلى طرود غذائية فحسب، بل إلى موقف سياسي فاعل يضمن تدفق المساعدات، وينهي الحصار، ويحمي الفلسطينيين من التهجير. نريد مساعدات تعيد للإنسان حقه في الحياة، ومواقف سياسية تحمي كرامته وحقوقه الوطنية.
وفي غزة والضفة الغربية، تتداخل التطورات الميدانية مع الحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وتتحول الأحداث إلى أوراق في التجاذبات الداخلية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: ما الأوراق التي يمتلكها الفلسطينيون لمواجهة هذه السياسات؟ وأين الدور العربي والدولي القادر على تحويل بيانات التضامن إلى خطوات مؤثرة؟
إن استمرار الانقسام وتعطيل تجديد الشرعيات يضعفان قدرتنا على مواجهة التحديات. وهنا يبرز السؤال: أيهما أولى بالاهتمام، الانتخابات الإسرائيلية التي تحددها حسابات الناخب الإسرائيلي، أم الانتخابات الفلسطينية التي تمثل حق شعبنا في اختيار قيادته وتجديد شرعيته؟
إن فهم التحولات الانتخابية الإسرائيلية ضرورة سياسية، لكنه لا ينبغي أن يحجب استحقاقنا الوطني. فقد تتغير الحكومات والتحالفات، أما شعبنا فسيبقى في مواجهة نتائجها ما لم يستعد وحدته وقراره المستقل.
فهل تتساقط أوراق الضغط التي تُجوّع أهل غزة، ليشرق ربيع فلسطيني يصبح فيه رغيف الخبز حقًا لا سلاحًا، وصندوق الاقتراع بوابةً لاستعادة القرار الوطني؟