بين صندوق الاقتراع وسقف الاشتراطات: أي شرعية تريدها أوروبا للفلسطينيين؟
نشر بتاريخ: 2026/10/14 (آخر تحديث: 2026/10/14 الساعة: 19:26)

ليست المشكلة الفلسطينية في غياب الانتخابات وحده، بل في السؤال الأكثر تعقيدًا: هل يُسمح للانتخابات بأن تنتج تغييرًا سياسيًا حقيقيًا، أم يُراد لها أن تجدد شرعية المؤسسات القائمة من دون المساس بالقواعد التي تحكم النظام السياسي الفلسطيني؟

هنا تحديدًا ينبغي قراءة الضغط الأوروبي من أجل إجراء الانتخابات الفلسطينية. فالدعوة الأوروبية، على أهميتها من حيث الاعتراف بحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، لا تنفصل عن تصور أوروبي أوسع لمستقبل السلطة الفلسطينية، ودورها في غزة، وعلاقتها بإسرائيل، وشكل التسوية السياسية التي ما زال الاتحاد الأوروبي يعلن تمسكه بها، والسؤال الذي يستحق النقاش ليس ما إذا كانت أوروبا تريد انتخابات أم لا، بل ما إذا كانت مستعدة لاحترام النتائج التي قد تفرزها انتخابات حرة، حتى عندما لا تتوافق تلك النتائج مع حساباتها السياسية.

أولًا: أوروبا تريد تجديد الشرعية، لكن بأي معنى؟

من الصعب تجاهل حقيقة أن المؤسسات الفلسطينية تعاني أزمة شرعية متراكمة. فقد مضت قرابة عقدين على آخر انتخابات تشريعية عامة، فيما أُجّلت الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها عام 2021، ثم أُعلن في أكتوبر 2026 تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية مجددًا إلى سبتمبر 2027.

وفي بيانها الصادر في 12 أكتوبر، شددت المواقف الأوروبية على ضرورة إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، وربطت ذلك بالحاجة إلى تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية. كما أكدت فرنسا ودول أخرى أن استمرار التأجيل يحدّ من قدرة الفلسطينيين على اختيار ممثليهم ويضعف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، لكن تجديد الشرعية ليس مجرد إجراء تقني يبدأ بتسجيل الناخبين وينتهي بإعلان النتائج. إنه عملية سياسية تعيد توزيع التمثيل والسلطة، وتفتح المجال أمام قوى جديدة، وتمنح المواطنين فرصة محاسبة القائمين على الحكم.

ومن هنا، فإن الانتخابات التي لا تتيح احتمال التغيير الحقيقي تظل معرضة لأن تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج النظام نفسه، حتى لو استوفت بعض الإجراءات الشكلية، ومع ذلك، لا يكفي هذا الاحتمال وحده للحكم على النيات الأوروبية. فالموقف المعلن للاتحاد يدعم انتخابات شاملة وشفافة، والاستعداد لإرسال بعثة مراقبة يمثل خطوة عملية يمكن اختبار جديتها على الأرض. لكن الاختبار الأهم يبقى في كيفية التعامل مع شروط المنافسة ونتائجها، لا في التصريحات وحدها.

ثانيًا: حين تصبح الديمقراطية مرتبطة بشروط سياسية.

لا تتحرك أوروبا في الملف الفلسطيني بمعزل عن اعتبارات أمن إسرائيل، وموقفها من حركة حماس، ورؤيتها لمستقبل غزة، والتزامها بحل الدولتين. وقد أكدت مواقف أوروبية رسمية ضرورة إصلاح السلطة الفلسطينية، ودعم قدرتها على استعادة دورها في قطاع غزة، إلى جانب التمسك بالمسار السياسي القائم على دولتين، هذه الاعتبارات تثير إشكالية سياسية جوهرية: كيف يمكن الجمع بين الدعوة إلى انتخابات حرة وبين اشتراطات قد تؤثر في هوية القوى المشاركة، أو في طبيعة الخيارات السياسية المطروحة أمام الناخب، إن احترام المعايير الديمقراطية لا يعني أن تكون الانتخابات بلا قوانين أو ضوابط؛ فكل عملية انتخابية تحتاج إلى إطار قانوني واضح، وضمانات للنزاهة، والتزام بالقواعد المنظمة للمنافسة. لكن الفرق كبير بين شروط عامة تُطبّق على الجميع، وشروط سياسية قد تؤدي إلى تضييق المجال أمام تيارات بعينها بسبب مواقفها أو هويتها السياسية.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: حق المجتمع الدولي في المطالبة بنزاهة الانتخابات ورفض العنف، وحق الفلسطينيين في أن يقرروا، عبر عملية ديمقراطية حقيقية، من يمثلهم وكيف تُدار شؤونهم،فإذا كانت هناك شروط للمشاركة، فيجب أن تكون معلنة وقانونية ومتسقة مع الحقوق السياسية، لا أن تتحول إلى وسيلة غير مباشرة لتحديد النتيجة المقبولة قبل أن يبدأ الاقتراع.

ثالثًا: هل تقبل أوروبا بنتائج لا تناسب حساباتها؟

الانتخابات الديمقراطية لا تُختبر فقط عندما تفوز القوى التي تحظى بقبول العواصم الأوروبية، بل عندما تأتي النتائج بخيارات مختلفة عن تفضيلاتها السياسية. عندها يصبح احترام العملية الانتخابية أكثر أهمية من مجرد الترحيب بمبدئها.

ولا يعني ذلك أن على الاتحاد الأوروبي التخلي عن مواقفه السياسية أو القانونية، أو أن يتعامل مع جميع القوى والبرامج من دون تمييز. بل يعني أن عليه توضيح الفارق بين تقييمه لبرنامج سياسي معين، وبين حق المواطنين في المشاركة والاختيار ضمن القانون.

كما ينبغي التمييز بين الاعتراف بنتيجة انتخابية صحيحة، وبين الاتفاق مع كل ما تتبناه الجهة الفائزة من سياسات. فالتنافس الديمقراطي لا يشترط إجماعًا سياسيًا مسبقًا، وإنما يتطلب قواعد واضحة، وحرية في المنافسة، وإمكانًا فعليًا للتداول والمحاسبة،ومن دون هذا المبدأ، قد تتراجع الانتخابات من كونها وسيلة لتجديد التفويض الشعبي إلى مجرد أداة لإعادة ترتيب الشرعية ضمن حدود تقررها الأطراف الأكثر نفوذًا.

لكن إثبات أن أوروبا تريد نتيجة محددة مسبقًا يحتاج إلى أدلة تتجاوز وجود مصالح سياسية أو اشتراطات معلنة. لذلك فإن المسألة الأجدى ليست افتراض النيات، بل مطالبة الاتحاد الأوروبي بتوضيح موقفه العملي من مشاركة مختلف القوى، وضمان تكافؤ الفرص، واحترام النتائج، وآليات التعامل معها.

رابعًا: الاحتلال ليس تفصيلًا خارج العملية الانتخابية.

في المقابل، لا يمكن تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية توفير جميع الشروط اللازمة للانتخابات، وكأنهم يمارسون سيادتهم على أرضهم وحدودهم وحركتهم من دون قيود.

فالانتخابات الفلسطينية تجري في واقع يتسم بالاحتلال والانقسام الجغرافي والسياسي، وبعقبات أمنية وإدارية تمس إمكانية مشاركة الفلسطينيين في مختلف المناطق. وقد استندت القيادة الفلسطينية في تبرير التأجيل إلى عدم توافر الظروف السياسية والأمنية والعملية المناسبة، بما يؤثر في شمولية العملية ونزاهتها؛ فيما تنفي إسرائيل مسؤوليتها عن تعطيل الانتخابات.

وهذا الخلاف لا يُحسم بمجرد تبني رواية طرف أو آخر، بل يتطلب فحصًا مستقلًا للعقبات الفعلية، وتحديد المسؤوليات، والعمل على إزالتها، فإذا كان الاتحاد الأوروبي يريد انتخابات ذات مصداقية، فإن مسؤوليته لا تتوقف عند مطالبة السلطة الفلسطينية بتحديد موعد جديد، بل تشمل استخدام أدواته الدبلوماسية للمساعدة في تهيئة الظروف التي تتيح مشاركة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وضمان حرية الحملات الانتخابية، وحماية حق المرشحين والناخبين في المشاركة، وهنا تظهر المفارقة: لا يمكن المطالبة بشرعية ديمقراطية كاملة في ظل واقع يقيد قدرة الشعب على ممارسة حقوقه السياسية، ثم التعامل مع القيود المفروضة عليه باعتبارها مجرد مشكلة إدارية فلسطينية.

خامسًا: بين إدارة الواقع وتغييره.

تتجاوز أزمة الانتخابات مسألة تجديد المؤسسات؛ فهي ترتبط بالسؤال عن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني الذي يُراد بناؤك،هل المطلوب سلطة أكثر كفاءة في إدارة الشؤون اليومية ضمن واقع الاحتلال والانقسام، أم نظام سياسي يمتلك تفويضًا شعبيًا يسمح له بإعادة صياغة أولوياته الوطنية، وتوحيد المؤسسات، واستعادة التمثيل السياسي على قاعدة الشراكة والمساءلة؟

ليس ثمة تعارض ضروري بين بناء مؤسسات فعالة وإجراء تغيير سياسي. لكن الخطر يكمن في اختزال الإصلاح في تحسين الإدارة، مع تأجيل القضايا المتعلقة بالتمثيل الوطني، ووحدة النظام السياسي، وحدود القرار الفلسطيني المستقل.

ومن هذه الزاوية، ينبغي ألا تُختزل الانتخابات في كونها وسيلة لإعادة تنشيط السلطة الفلسطينية أو تحسين صورتها لدى المانحين الدوليين. فوظيفتها الأساسية أن تمنح الفلسطينيين فرصة حقيقية لتحديد أولوياتهم ومحاسبة قيادتهم، وأن تكون مدخلًا لمعالجة الانقسام، لا مجرد إجراء منفصل عنه.

وفي المقابل، لا تستطيع الانتخابات وحدها إنهاء الاحتلال أو حل الخلافات السياسية أو ضمان وحدة المؤسسات. إنها خطوة أساسية، لكنها تحتاج إلى بيئة قانونية وسياسية وأمنية تتيح تحويل التفويض الشعبي إلى مؤسسات قابلة للمساءلة والعمل.

سادسًا: كيف يُختبر الموقف الأوروبي عمليًا؟

بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات بشأن النيات، يمكن قياس جدية الضغط الأوروبي عبر مجموعة من المعايير الواضحة:

شمولية المشاركة: هل تُتاح المنافسة السياسية ضمن قواعد قانونية معلنة وعادلة، من دون إقصاء تعسفي؟

حرية الاقتراع: هل تُبذل جهود عملية لضمان مشاركة الفلسطينيين في مختلف المناطق، بما فيها القدس الشرقية؟

استقلال القرار الانتخابي: هل تُترك إدارة العملية للمؤسسات الفلسطينية المختصة، مع رقابة مستقلة لا تتحول إلى وصاية سياسية؟

احترام النتائج: هل يعلن الاتحاد الأوروبي بوضوح أن تقييمه للعملية سيستند إلى نزاهتها وقانونيتها، لا إلى هوية الفائز وحدها؟

المساءلة المتوازنة: هل يضغط على جميع الأطراف لإزالة العقبات، أم تتركز مطالبه على القيادة الفلسطينية وحدها؟

هذه المعايير لا تفترض مسبقًا أن أوروبا تسعى إلى فرض نتيجة معينة، لكنها تمنح الفلسطينيين أساسًا ملموسًا للحكم على مدى اتساق الخطاب الأوروبي مع الممارسة.

في النهاية الشرعية لا تُجدَّد بقرار خارجي.

إن المعضلة الحقيقية في الانتخابات الفلسطينية ليست الاختيار بين القبول بالضغط الأوروبي ورفضه، بل كيفية تحويل هذا الضغط إلى فرصة لاستعادة حق الفلسطينيين في تقرير مستقبل مؤسساتهم

فالمطالبة بإجراء الانتخابات يمكن أن تكون مدخلًا لدعم الديمقراطية، لكنها تفقد جزءًا من معناها إذا لم تقترن بضمانات جدية لحرية المشاركة، وتكافؤ المنافسة، واحترام النتائج، وإزالة العقبات التي يفرضها الواقع السياسي والأمني.

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع القيادة الفلسطينية أن تجعل استمرار الاحتلال والانقسام مبررًا مفتوحًا لتأجيل الاستحقاقات الديمقراطية من دون أفق واضح، أو أن تطالب بتجديد الشرعية بينما يظل موعد هذا التجديد عرضة للتأجيل المتكرر.

أما أوروبا، فإن مصداقية موقفها ستُقاس بقدرتها على الجمع بين دعم مؤسسات فلسطينية قابلة للمساءلة، والدفاع عن حق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، والعمل على توفير الشروط التي تجعل هذا الحق ممكنًا، فالسؤال ليس فقط: هل تريد أوروبا انتخابات فلسطينية؟ بل هل تريد انتخابات تستطيع نتائجها أن تغيّر الواقع السياسي، أم انتخابات تكتفي بتجديد الشرعية ضمن الواقع القائم؟، والإجابة لن تُستخلص من البيانات الدبلوماسية وحدها، بل من القواعد التي ستُعتمد، والعقبات التي ستُزال، والحقوق التي ستُصان، والموقف الذي سيتخذه الجميع عندما يقول الناخب الفلسطيني كلمته.