أقلّ ما يمكن قوله فيما يخص آخر أخبار الحرب بين أميركا وإيران، التي تحولت منذ أعلنت واشنطن خطة «المنبوذ الاقتصادي» في الرابع والعشرين من آب الماضي، إلى حرب اقتصادية بالدرجة الأولى: إن أميركا تخسرها بالنقاط، بعد أن باتت في مأزق حقيقي، وضعها فيه رئيس يقودها بشكل فردي، لم يلتزم بنص الدستور الذي يجبره على أخذ التفويض من الكونغرس حين يقوم بعملية عسكرية خارج حدود البلاد، لمدة ستين يوماً، وهذا ما لم يفعله لا ضد فنزويلا ولا ضد إيران، في مثال يدل على «عمى القوة» الذي أعمى بصيرته السياسية، وما كان لجوء أميركا للحرب الاقتصادية أصلاً، إلا بعد أن جربت الحرب العسكرية، ولم تحقق أهدافها، بل ووجدت نفسها في مأزق نفاد مخزون السلاح الإستراتيجي، ولأن الصراع مع إيران هو أحد تجليات الصراع الكوني حول النظام العالمي، فإن مآل تلك الحرب، بعد مرور أكثر من سبعة شهور، وبعد أن تأكد أن حسمها أميركيا بالضربة القاضية لم يعد ممكناً، فيما استمرارها، سيطيح بالعرش الأميركي من على قمة النظام العالمي الحالي.
لقد كان واضحاً منذ وقت، أقلّه منذ بدأ استخدام ورقة هرمز من قبل إيران، للضغط على الاقتصاد العالمي، وفي مركزه الاقتصاد الأميركي المتهالك أصلاً بسبب عدم اعتماده على النمو الداخلي، بل على النظام العالمي الذي جعل منه مجرد نظام «بورصة» عالمية، لبيع وشراء السندات الأميركية، وادخار الثروات العالمية في البنوك الأميركية، فضلاً عن التداول التجاري العالمي بالدولار الأميركي، بات واضحاً منذ وقت أن الحرب باتت بمثابة «عض أصابع» يخسرها من يتوجع أكثر، وكذلك كان مكتوباً على الجدار أن إيران، بعد أن قارعت أميركا ومعها إسرائيل في ميدان القتال، جاهزة لمقارعتها في ميدان الحرب الاقتصادية، وكان ميدان الحرب الاقتصادية هو البحر والممرات المائية، فالرد الأميركي على تحكم إيران بهرمز كان إحكام الحصار البحري، بعد أن حاولت فك القبضة الإيرانية على هرمز من خلال فتح الممر الجنوبي العُماني، ومن ثم سعت إلى تخليص تلك الورقة من يد إيران، من خلال شن الحرب على اليمن لضمان السيطرة على باب المندب، وذلك لتحويل ممر النفط الخليجي إن كان عبر فجيرة التمارات، أو طريق شرق - غرب السعودي.
وكانت إيران منذ وقت تهدد بإغلاق باب المندب كشكل من أشكال إحكام خنق الاقتصاد العالمي، لكن الميدان اليمني سرعان ما أظهر نتيجة عكسية، تمثلت في سيطرة الحوثي على نوافذ التحكم بباب المندب التي لم تكن في قبضته قبل شن الحرب الأخيرة عليه، والحقيقة أن إغلاق مضيقَي هرمز وباب المندب أمام الملاحة العالمية يحتاج إلى ما هو أقل من السيطرة التامة عليهما من قبل أي جهة، فيكفي أن يشهد الممران تراشقاً نارياً بين الطرفين ليصبح غير آمن، فلا تخاطر لا ناقلات النفط ولا السفن التجارية في العبور، ولأن الوقت ضاغط على أميركا أكثر بكثير أو بما لا يقارن مع إيران، التي لديها تجربة في الاحتيال على العقوبات والحصار، وذلك بتحويل تجارتها الخارجية للمرات البرية، ولأنها تعتمد منذ وقت على الصين وروسيا، فإن أميركا هي التي تصرخ أولاً الآن، ما يعني أنها تخسر الحرب، ولم يعد من خيار أمامها إلا أحد أمرين لا ثالث لهما، وهما: قبول الشروط الإيرانية بالتفاوض، وأولها تنفيذ وثيقة التفاهم، وربما العودة لاتفاق 5+1، والثاني هو اللجوء لخيارات عسكرية مدمرة.
وطبعاً كلا الخيارين سيؤديان فوراً إلى سقوط أميركي مدوٍّ عن عرش النظام العالمي، لأن النزول عند الشروط الإيرانية يعني تخلي أميركا عن ورقة الخليج الاقتصادية، بل وحتى خروجها العسكري من الشرق الأوسط، وهذا يؤكد الدخول في عصر نظام عالمي جديد مغاير للنظام العالمي الأميركي، أما اللجوء لخيارات عسكرية مدمرة، فلن يؤدي إلى استسلام إيران، بل إلى إنتاجها السلاح النووي، وهذا لا يحتاج منها وقتاً طويلاً باعتبار أن لديها 440 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إضافة إلى تسعة أطنان مودعة في روسيا من قبل، كذلك سيؤدي ذلك إلى فتح الباب أمام كل من روسيا والصين لاستخدام نفس السلاح ضد كل من أوكرانيا وتايوان.
ولصعوبة الخيارَين أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نراه خلال الأيام أو الأسابيع الأخيرة يقوم بتقليب العالم كله حجراً وراء حجر، بحثاً عن حل يوقف استمرار ارتفاع أسعار النفط، فوق المئة دولار للبرميل الواحد، بعد أن كان بحدود 60 دولاراً قبل الحرب على إيران، أي قبل سبعة أشهر من الآن، خاصة فيما يخص «الديزل» مع اقتراب فصل الشتاء، والديزل بالتحديد هو الوقود الذي يستخدم للتدفئة، وهو أهم بالنسبة للغرب الذي يحتاجه بشدة في مواجهة شتائه البارد أكثر من الشرق الذي لا يعرف برودة الشتاء، كذلك يستخدم في توليد الكهرباء، وفي القطارات والشاحنات، ومن أجل تجنب سقوط الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية التي باتت قاب قوسين أو أدنى، جرب ترامب خلال أيام فقط أكثر من خيار للهبوط بسعر برميل النفط الذي ينعكس تضخماً على الاقتصاد الأميركي، وبالتالي تصويتاً ضد الحزب الجمهوري في صناديق الاقتراع.
وقد واصل ترامب ادعاءاته الكاذبة للاحتيال على سوق النفط، التي تتأثر بما يصلها من «براميل» وليس بما يقوله ترامب بأنه يسيطر على هرمز، أو أن النفط قد تدفق عبر الممر بأكثر مما كان عليه قبل الحرب، ثم أعلن عن اتفاقه مع أوروبا على أن تقوم القارة العجوز بفتح أبواب مخزونها الإستراتيجي لزجّ «الديزل» في السوق العالمي، على الأقل حتى يتجاوز الفاصل الانتخابي، متوعداً إيران بحرب بعد الانتخابات، وكأنه يقول للأوروبيين: لا تخافوا على مخزونكم من الديزل، سأقوم بإنهاء الأمر بحرب بعد الانتخابات النصفية. لكن أوروبا، على ما يبدو باعته كلاماً، وهي التي لا تثق فيه ولا تحبه؛ بعد كل ما فعله وقاله، منذ أن دخل البيت الأبيض قبل أقل من عامين، والدليل على هذا هو الإعلان الأخير عن أن ترامب عرض على إسرائيل توجيه ضربة عسكرية، بمفردها، أي دون أميركا وذلك قبل الانتخابات، لعل ذلك يؤدي إلى تهدئة سوق النفط، لكن قيل: إن إيال زامير رئيس الأركان الإسرائيلي رفض المقترح، وليس نتنياهو، وهذا يعني أن نتنياهو باعتباراته السياسية لا يمكنه أن يرفض توجيه ضربة لإيران، حتى دون المشاركة الأميركية المباشرة، التي لا يمكنها أن تمتنع عن حماية إسرائيل في مواجهة الرد الإيراني، ولأنه يريد هذا سلاحاً انتخابياً هو أيضاً، بينما زامير يرفض بدافع مهني، أي لأسباب عسكرية وليس سياسية.
بعد طرقه للباب الأوروبي طلباً للديزل، وللباب الإسرائيلي طلباً للضربة العسكرية ضد إيران، ربما حتى يقنع الأوروبيين بفتح «صنبور» ديزلهم الإستراتيجي للسوق العالمي، لم يجد ترامب غضاضة في طرق الباب الروسي، بما هو أشبه بحالة التسوّل منه إلى أي شيء آخر، وبالطبع لا يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يردّه، لكن من الطبيعي أن يطلب ثمناً باهظاً، بل حتى مضاعفاً بالمقارنة مع الحاجة الأميركية الماسة للديزل في هذه الأيام.
وأغلى وأهم ثمن تريده روسيا يقع ضمن الملف الأوكراني، لذلك شن ترامب هجوماً مفاجئاً على الرئيس الأوكراني المسكين، الذي تعرض لتنمّر متواصل من ترامب منذ أول لقاء لهما معاً في البيت الأبيض قبل عام ونصف العام، فقد طالب ترامب بتغيير الرئيس الأوكراني، ما يعني أنه بات جاهزاً لتسليم أوكرانيا مستسلمة لروسيا مقابل الديزل الروسي، مع أن اتفاق الديزل لا يعدو كونه أكثر من قشة بات يتعلق بها ترامب لعلها تنقذه من الغرق، فالاتفاق بين الرجلين ينص عن ضخ روسيا ما يعادل 300 ألف طن من الديزل فوراً، على أن تزيد الكمية إلى 500 ألف طن في تشرين الثاني القادم، ثم أن تصل إلى مليون طن بعد ذلك، وربما إلى 3 ملايين بعد وقت، فهل هذا يعني أن روسيا «باعت» إيران، وأنها قد أنقذت ترامب من الغرق في بحر «الديزل»؟
لا يبدو الأمر هكذا لسبب بسيط، وهو أن السوق العالمي يستهلك يومياً 30 مليون طن، أي أن ما ستضخه روسيا فوراً لا يتعدى 1%، بينما لا يزيد على 10% على المدى البعيد، وهذا سيكون بعد محطة الانتخابات النصفية الأميركية، التي على الأغلب أن تغيّر نتيجتها الكثير في أميركا والعالم، والأهم أن ذلك يعني تبديد كل منظومة العقوبات الأميركية والغربية المفروضة على روسيا منذ خمس سنوات، واتفاق ترامب مع روسيا يثير حفيظة أوروبا جداً دون شك، وكل هذا يضع ترامب أمام مصير محتوم لا يحبه، ولا يتطابق مع ما يدعيه ليل نهار.