قراءة أولية في الانتخابات النصفية الأميركية (2 من 2)
نشر بتاريخ: 2026/10/07 (آخر تحديث: 2026/10/07 الساعة: 16:56)

في العديد من الولايات الأميركية وبعض المدن الجامعية، أدى الغضب الطلابي والشبابي من حرب الإبادة، ومن هول الجرائم الإسرائيلية ومشاهد المأساة في غزة إلى تراجع شعبية السياسيين الداعمين للحرب، وصارت أي علاقة لأي سياسي أميركي مع اللوبيات الإسرائيلية موضع انتقاد، ونقطة ضعف في فرص الفوز في الانتخابات.

رغم الجدل السياسي، لا يبدو التحالف الأميركي الإسرائيلي مهدداً على المستوى الاستراتيجي؛ فالكونغرس لا يزال يضم أغلبية واضحة تعتبر إسرائيل أهم حليف في الشرق الأوسط.

ما يتغير تدريجياً هو طبيعة النقاش داخل الحزب الديمقراطي، إذ لم يعد انتقاد الحكومة الإسرائيلية يمثل موقفاً هامشياً، بل أصبح جزءاً من الخطاب السياسي السائد لدى قطاع متزايد من النواب والناخبين.

الملف الأكثر تغيراً مقارنة بالعقد الماضي العلاقة مع اليمين الإسرائيلي؛ الحزب الجمهوري يقيم علاقة وثيقة مع أحزاب اليمين الإسرائيلي، ويعتبر أن الأولوية ضمان أمن إسرائيل ومواجهة إيران.

في المقابل، تزايدت أعداد الديمقراطيين الذين يميزون بين دعم إسرائيل وبين تأييد سياسات الحكومات اليمينية المتعاقبة.

فقد تصاعدت الانتقادات داخل الحزب لسياسات الاستيطان، ورفض حل الدولتين، وتوسيع المستوطنات، واستخدام القوة المفرطة في غزة والضفة الغربية.

من مؤشرات الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، صوّت 104 نواب ديمقراطيين لصالح قطع المساعدات العسكرية عن إسرائيل (3.3 مليار دولار)، في خطوة وصفت بالتحول التاريخي. كما يصعد ّالجناح التقدمي مطالبته بوقف تمويل ما وصفوه بـ»الإبادة الجماعية» في غزة، في نيويورك، حقق تيار «ممداني» (الاشتراكيون الديمقراطيون) فوزاً ساحقاً في الانتخابات التمهيدية، حيث أطاح بمرشحي المؤسسة التقليدية، مع التركيز على دعم الحقوق الفلسطينية ووقف تسليح إسرائيل كمحور أساسي لحملاتهم.

ورغم هذا التحول، لا يزال قادة الحزب الديمقراطي يؤكدون التزامهم بأمن إسرائيل وباستمرار التحالف الاستراتيجي معها، مع السعي إلى انتهاج سياسة أكثر توازناً تجاه الفلسطينيين، وزيادة الضغوط الدبلوماسية لوقف الحرب، والحد من التوسع الاستيطاني، وتهيئة الظروف لاستئناف المسار السياسي.

يميل الديمقراطيون، بدرجات متفاوتة، إلى الجمع بين الحفاظ على التحالف مع إسرائيل، ودعم السلطة الفلسطينية، والضغط من أجل حماية المدنيين، ووقف عنف المستوطنين، والحفاظ على المؤسسات الفلسطينية باعتبارها شرطاً لأي تسوية سياسية مستقبلية، معتبرين العلاقة مع السلطة الوطنية الفلسطينية مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة ولإسرائيل معاً، لأنها تشكل الإطار الفلسطيني الوحيد القادر على إدارة الضفة الغربية، ولأن انهيارها سيفتح المجال أمام مزيد من الفوضى أو صعود قوى أكثر تشدداً.

لذلك يدعو معظمهم إلى دعم السلطة مالياً وسياسياً بالتوازي مع الضغط عليها لإجراء إصلاحات في الإدارة والحوكمة وتجديد الشرعية السياسية.

ومن القضايا التي تحتل اهتماماً متزايداً داخل الكونغرس قضية تصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، ويطالب بعض الديمقراطيين بفرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال عنف، وتشديد الرقابة على استخدام المساعدات الأميركية.

أما ملف الأونروا فهو من أكثر الملفات إثارة للانقسام. الغالبية الجمهورية تعارض استئناف التمويل الأميركي للوكالة، أما الديمقراطيون، فتنقسم مواقفهم بين مطالبة بإصلاح الوكالة مع استئناف تمويلها وبين الدعوة إلى إعادة التمويل بشكل كامل باعتباره ضرورة إنسانية لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً في قطاع غزة.

القضية السياسية الثانية، والتي لا تقل أهمية: إيران، إذ تحولت السياسة الخارجية تجاه إيران وغيرها من قضية ثانوية إلى محرك أساسي للانتخابات؛ فالحرب التي كان يُروج لها كعملية عسكرية سريعة وحاسمة، تحولت إلى صراع إقليمي واسع، تسببت في إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الأعباء العسكرية. والانقسام حول الموقف من الحرب لم يكن شعبياً وحسب، بل امتد إلى أوساط الحزب الجمهوري، فبينما يدعم «الصقور» استئناف الحرب، بدأ تيار «أميركا أولاً» في انتقاد الحرب باعتبارها خيانة للوعود الانتخابية، وتورطاً غير ضروري في «حروب أبدية»، لا طائل منها.

في حين يسعى الديمقراطيون لاستعادة هويتهم كـ «حزب مناهض للحرب»، معارضين ميزانيات الدفاع الضخمة.

ستكون نتائج الانتخابات امتحاناً للسيادة البرلمانية والرقابية، وستحدد هوية الطرف المسيطر على الكونغرس القادم مدى قدرة السلطة التشريعية على كبح جماح السلطة التنفيذية.

من السيناريوهات المتوقعة تفعيل «قرارات سلطات الحرب»، حيث سيحاول الكونغرس القادم استعادة صلاحياته الدستورية لتقييد قدرة الرئيس على شن حروب دون تفويض، خاصة في ظل التهديدات الموجهة لإيران.

لذا يسعى الديمقراطيون للحصول على الأغلبية، لأن ذلك سيقيد ترامب وقد يمنعه من مواصلة الحرب على إيران، فعندما شن ترامب الحرب على إيران فعل ذلك دون تفويض من الكونغرس لأنه فعلها تحت مسمى «عملية عسكرية»، أي دون إعلان حرب، ما يشترط موافقة الكونغرس، وربما هذا يفسر التعنت الإيراني على أمل الصمود حتى موعد الانتخابات، وتغير موازين القوى في الكونغرس، بما يدفع باتجاه وقف الحرب والتوصل إلى تسوية.

من المرجح أن تفرز الانتخابات «كونغرس» أكثر انقساماً واستقطاباً، ما سيجعل السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط محكومة بموازين القوى الداخلية بقدر ما تحكمها تطورات الإقليم نفسه. إذا تشير معطيات كثيرة إلى احتمال كبير لـتحول الولايات المتحدة نحو «حكومة منقسمة»؛ يستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، ويحتفظ الجمهوريون بأغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ، وبالتالي هناك كونغرس منقسم، ما سيزيد من صعوبة تمرير التشريعات الكبرى.

وهذا السيناريو سيعني نهاية المرحلة التشريعية الأحادية لترامب، وبدء مرحلة من الرقابة المشددة والتحقيقات في نفقات حرب إيران.

وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب ستؤدي على الأغلب إلى ممارسة ضغوط أكبر لتقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل، وزيادة الرقابة على استخدامها، وتعزيز المساعدات الإنسانية للفلسطينيين، ما قد يخلق فجوة واسعة بين واشنطن وتل أبيت في العامين الأخيرين من ولاية ترامب.

كلمة أخيرة: مع أهمية انتخابات التجديد، وأهمية الكونغرس في الحياة السياسية الأميركية، إلا أن الكونغرس بشقيه ليس الجهة الوحيدة والحاسمة، فصناعة القرار في أميركا ليست بهذه البساطة، فهناك الدولة العميقة، ومراكز القوى المختلفة، وشخصية الرئيس.