غزة عالقة وسط الركام ووهم خطة السلام
نشر بتاريخ: 2026/09/26 (آخر تحديث: 2026/09/26 الساعة: 14:34)

خطة إعادة إعمار غزة عالقة بين كارثة إنسانية تتفاقم وشروط إسرائيلية تتجاوز مسألة نزع سلاح حماس. وبينما تريد إدارة ترامب الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب، تسعى إسرائيل إلى فرض شكل هذه المرحلة بما يحقق أهدافاً سياسية وأمنية وديموغرافية تتجاوز مجرد وقف الحرب.

على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أعلن "مجلس السلام"، الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خطة لتمويل 66 مشروعاً في غزة، بإجمالي 2.45 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى. غير أن هذه الأرقام تبدو معزولة تماماً عن واقع القطاع الذي يستعد لشتائه الرابع وسط دمار شامل، حيث يعيش مئات آلاف الفلسطينيين في خيام ممزقة ومتهالكة أو مبان آيلة للسقوط، ويواجهون البرد والأمطار والقوارض في ظل نقص حاد في المأوى والمساعدات. ولا تقف الأزمة عند حدود السكن، بل تتعداها إلى قفزات كبيرة في أسعار الإيجارات، وتآكل المساحات المتاحة للعيش مع توسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع.

ورغم تعهد الدول المشاركة بتقديم 17 مليار دولار، منها 10 مليارات تعهد بها ترامب، فإن ما حُوّل فعلياً لم يتجاوز 300 مليون دولار. وفي المقابل، تشير تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى حاجة القطاع لنحو 71.4 مليار دولار لإعادة الإعمار خلال عقد، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الـ18 الأولى فقط.

وهكذا، لا يتوقف المأزق عند حجم التمويل المعلن، بل يتعداه إلى مواعيد وصوله، وآليات إدارته، والقدرة على صرفه ميدانياً. حتى الآلية المالية تثير علامات استفهام، مع بقاء صندوق البنك الدولي المخصص للتبرعات فارغاً، مقابل فتح "مجلس السلام" حساباً خاصاً في بنك "جي بي مورغان".

لكن المال ليس العقبة الوحيدة؛ فقوة الاستقرار الدولية لم تتشكل بعد، فيما تواجه قوة الشرطة الفلسطينية المفترض أن تعمل معها معضلة أكثر مباشرة. وبحسب المعطيات، اجتاز نحو 5 آلاف شرطي فلسطيني المرحلة الأولى من التدقيق، وكان يفترض تدريبهم في مصر، غير أن إسرائيل تمنع خروجهم من القطاع.

ولا ينفصل هذا التعطيل عن الترتيبات السياسية الأوسع التي يحاول ترامب إنجازها في المنطقة والقضية الفلسطينية. فإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية وإدارة القطاع تجري وسط تقاطعات معقدة مع الخلافات الفلسطينية الداخلية حول شكل النظام السياسي، ودور السلطة، وإعادة بناء مؤسساتها، والاستعداد للانتخابات. ومن ثم، يتجاوز التأخير في تشكيل القوة الأمنية البعد اللوجستي ليصبح جزءاً من عملية سياسية مفتوحة لم تُحسم بعد.

في الوقت نفسه، تشترط إسرائيل نزع سلاح حماس قبل بدء إعادة الإعمار، وهنا تتكشف إحدى حلقات التعطيل: فالإعمار يتطلب رفع عشرات ملايين الأطنان من الأنقاض، والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وإدخال مواد البناء، وإعادة تشغيل البنية التحتية، وإنشاء جهاز شرطة وإدارة مدنية. وكلها خطوات مرهونة بترتيبات سياسية وأمنية تصر إسرائيل على الاحتفاظ باليد العليا فيها.

وتظهر معضلة أخرى في موقف "مجلس السلام" والشكوك حول دور المنظمات الدولية، وخاصة الأونروا. فبينما لا تدرج الخطة الوكالة ضمن ترتيباتها المعلنة لغزة، وتقول قيادة المجلس إنه "لا مكان للأونروا في غزة الجديدة"، تكشف معلومات حديثة عن اجتماعات جرت خلف الكواليس بين المجلس والوكالة، وعن حاجة اللجنة الفلسطينية المفترضة لإدارة غزة إلى خبرتها وبرامجها. ويكشف هذا التناقض أن الصراع لا يدور فقط حول إعادة الإعمار، بل أيضاً حول المؤسسات التي ستدير الحياة اليومية في غزة ومن يحدد دورها بعد الحرب. وهذا الاستبعاد ليس إدارياً فقط، بل يحمل دلالة سياسية تمس قضية اللاجئين وحقوقهم، وتفتح الباب أمام محاولة إعادة تعريف مكانتهم في غزة ومستقبل قضيتهم.

المشكلة الأساسية أن إعادة الإعمار تتم داخل شروط الحرب وأهدافها الإسرائيلية؛ إذ تسعى إسرائيل إلى القضاء على حماس كقوة عسكرية وحاكمة، ومنع عودتها إلى إدارة القطاع، وفرض معادلة تضمن لها حرية التدخل، مع استمرار مسؤولين إسرائيليين في طرح أفكار "الهجرة" وتفريغ القطاع.

وترتبط هذه الأهداف مباشرة بصورة غزة المقبلة: من يحكمها، ومن يسيطر على أمنها، وما علاقتها بالضفة الغربية، وما حدود الوجود والتدخل الإسرائيلي فيها. ومن هنا يتجاوز السؤال كيفية الإعمار إلى: أي غزة ستُبنى؟ وتحت أي سلطة؟ وبأي شروط أمنية وسياسية؟

لا تفتقر واشنطن إلى أدوات الضغط على نتنياهو، بل يكمن السؤال في مدى رغبتها في استخدامها، وما إذا كانت تسعى بالفعل إلى تغيير شروط المرحلة، أم تكتفي بإدارة نتائج الحرب وتثبيتها. فإذا ظل الإعمار رهيناً بنزع السلاح، وإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني، وتأمين حرية أمنية لإسرائيل، فإن إعادة البناء قد تتحول من مدخل للخروج من الحرب إلى أداة لإدارة نتائجها وتثبيتها.

وهنا يتبدى التناقض الأكبر: رغبة إسرائيل في الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية وحرية التدخل، مع تجنب تحمل التبعات السياسية والقانونية والإدارية المترتبة على الاحتلال؛ أي سيطرة أمنية بلا مسؤولية مدنية.

وفي هذا السياق، قد تصبح إعادة الإعمار أداة لإعادة تشكيل غزة سياسياً وديموغرافياً: إضعاف حماس، وتغيير نظام الحكم، وفصل القطاع عملياً عن الضفة الغربية، وخلق واقع أمني جديد يظل مفتوحاً أمام التدخل الإسرائيلي.

غير أن الأزمة لا تقف عند الشروط الإسرائيلية؛ فمصداقية "مجلس السلام" نفسه على المحك، في ظل هياكله غير المكتملة، وبطء التمويل، وغياب الخطوات الحازمة للضغط على تل أبيب. والأهم أن واشنطن لا تبدو، حتى الآن، في مواجهة حقيقية مع الأهداف الإسرائيلية، بل يظهر قدر واسع من التقاطع بين الطرفين حول مستقبل غزة وحماس والترتيبات القادمة.

من هنا، لا يكمن مأزق غزة في شح الأموال أو ضعف الخطط، ولا في عجز "مجلس السلام" فحسب، بل في كون الإعمار يُدار داخل صراع محتدم على شكل القطاع السياسي والأمني والديموغرافي، وضمن خطة تفتقر إلى مقومات التنفيذ المستقل عن شروط الاحتلال.

وهكذا يتجلى "وهم خطة السلام": ليس لغياب الأموال أو المشاريع، بل لافتقار الخطة إلى المصداقية السياسية والقدرة على تغيير الواقع. والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن مليارات الإعمار: هل ستُستخدم هذه الأموال لإخراج غزة من الحرب، أم لإدارة نتائجها وتطويعها بما يخدم الأهداف الإسرائيلية؟ إذا كانت الإجابة الثانية هي ما يرتسم على الأرض، فإن غزة قد تُبنى من جديد، لكن ضمن واقع سياسي وأمني لم يختره الفلسطينيون.