خاص|| من وقف الحرب إلى الاتهام.. كيف تحوّل دحلان إلى خصم في حسابات نتنياهو؟
نشر بتاريخ: 2026/09/15 (آخر تحديث: 2026/09/15 الساعة: 22:45)

تقرير: علي أبو عرمانة - في خضم الحرب على غزة، لم يعد اسم القائد الوطني محمد دحلان يظهر في السجال الإسرائيلي باعتباره طرفًا فلسطينيًا فحسب، بل بات حاضرًا في صلب اتهامات يطلقها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وحزب الليكود، في محاولة لربط تحركاته بالانتخابات الإسرائيلية والصراع الداخلي على مستقبل الحكم.

لكن المعطيات الجديدة التي تكشفها تصريحات خاصة لـ«الكوفية» تفتح زاوية مختلفة لفهم هذا التصعيد؛ فالقائد محمد دحلان، وفق ما يرويه عدد من الكتاب والمحللين، كان حاضرًا في اتصالات سياسية هدفت إلى دفع مسار لوقف إطلاق النار في غزة، قبل أن يتحول فجأة إلى هدف مباشر لاتهامات نتنياهو بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية.

وهنا يبرز السؤال، هل يتعلق الأمر فعلًا بالانتخابات الإسرائيلية، أم أن اسم دحلان أصبح جزءًا من معركة أوسع على مسار الحرب والتهدئة وما بعدها؟

من الاتهام إلى البحث عن مخرج

يرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عماد عمر أن اتهامات نتنياهو ودائرته لدحلان تأتي في سياق محاولة مستمرة للهروب من المسؤولية عن الإخفاق الذي سبق أحداث 7 أكتوبر.

ويشير عمر إلى أن نتنياهو سبق أن وجّه أصابع الاتهام إلى جهاز «الشاباك» ومؤسسات إسرائيلية أخرى، قبل أن ينتقل إلى استهداف دحلان، معتبرًا أن هذه الاتهامات لا تستند إلى أساس، وأن المسؤولية السياسية عن الإخفاق الأمني والعسكري ستظل تطارد رئيس الحكومة الإسرائيلية.

وبحسب عمر، فإن المعركة الحقيقية داخل إسرائيل لا تتوقف عند حدود الحرب على غزة، وإنما تمتد إلى مستقبل نتنياهو السياسي، خصوصًا في ظل الانتقادات التي يواجهها من المعارضة ودوائر إسرائيلية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وقانونية إذا خسر الانتخابات المقبلة.

دحلان.. من جمع الموقف الفلسطيني إلى واجهة الاتهام

أما الكاتب والمحلل السياسي الدكتور محمد شتيوي، فيقدم معطيات جديدة حول اتصالات جرت خلال الفترة الماضية، ويقول إن علاقات دحلان مع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر والإدارة الأمريكية أسهمت في الدفع باتجاه صيغة لوقف إطلاق النار في غزة.

ووفق شتيوي، كان دحلان من بين أوائل من أعلنوا عن التوصل إلى اتفاق بشأن وقف إطلاق النار، بعد اتصالات تضمنت نقل الموقف الفلسطيني إلى الجانب الأمريكي.

ويكشف شتيوي أن الفصائل الفلسطينية، بحسب ما ورد في تصريحاته، توصلت إلى موقف موحد تجاه خطة مؤلفة من 15 بندًا، وأن دحلان نقل هذا الموقف إلى الجانب الأمريكي، قبل أن تنتقل الاتصالات إلى الجانب الإسرائيلي.

وبحسب الرواية نفسها، جاءت زيارة كوشنر المفاجئة إلى نتنياهو لبحث التطورات المرتبطة بالاتفاق، بعد أن نقل دحلان الموقف الفلسطيني الموحد إلى الأمريكيين.

غير أن مسار التهدئة لم يستمر، وعادت العمليات العسكرية والقصف، وفق ما أورده شتيوي، لتعود معها حسابات الحرب والانتخابات والسياسة الداخلية الإسرائيلية إلى الواجهة.

من هنا، يصبح الاتهام الإسرائيلي لدحلان بحاجة إلى قراءة أبعد من عنوان «التدخل في الانتخابات».

لماذا ظهر الاتهام في هذا التوقيت؟

يرى شتيوي أن اتهام دحلان جاء في أعقاب التأثير الذي أحدثه تقرير «هآرتس» بشأن التحذيرات السابقة للحكومة الإسرائيلية، معتبرًا أن نتنياهو لم يكن قادرًا على توجيه الاتهام مباشرة إلى رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، الذي ارتبطت به المعلومات والتحذيرات التي تناولها التقرير، فاتجه الاتهام إلى دحلان.

وهنا، بحسب هذه القراءة، انتقل الخطاب الإسرائيلي من محاولة احتواء الأسئلة المتعلقة بما سبق 7 أكتوبر، إلى صناعة رواية بديلة تتحدث عن «تدخل فلسطيني» في الانتخابات الإسرائيلية.

وتكمن المفارقة في أن الاتهام لا يكتفي بإقحام اسم دحلان في الانتخابات، بل يضع تحركاته واتصالاته السياسية والإقليمية والدولية في إطار صراع إسرائيلي داخلي، بينما يؤكد دحلان، وفق ما ينقله شتيوي، أن الفلسطينيين لا شأن لهم بالصراع الداخلي الإسرائيلي، وأن القضايا الفلسطينية يجب أن يقررها الفلسطينيون.

معركة على المسار لا على الانتخابات فقط

المعطيات التي يكشفها شتيوي تضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد؛ فالاتصالات المرتبطة بوقف إطلاق النار تضع دحلان في سياق مختلف عن الصورة التي يحاول نتنياهو والليكود تقديمها.

فبدل أن يكون الحديث فقط عن انتخابات إسرائيلية أو عن محاولة التأثير فيها، يظهر اسم دحلان في رواية جديدة مرتبطة باتصالات فلسطينية وأمريكية ومساعٍ للوصول إلى وقف الحرب.

وهذا التحول مهم سياسيًا؛ لأن الشخص الذي يُتهم بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية هو نفسه الذي تصفه الرواية المطروحة بأنه كان يعمل على جمع الموقف الفلسطيني ونقله إلى أطراف دولية بهدف الوصول إلى وقف إطلاق النار.

وبذلك، لا تبدو القضية مجرد سجال انتخابي، بل صراعًا على من يملك القدرة على التأثير في المسارات السياسية المرتبطة بغزة، ومن يستطيع فتح قنوات اتصال مع الأطراف الإقليمية والدولية، ومن يمكن أن يكون حاضرًا في ترتيبات المرحلة المقبلة.

نتنياهو يبحث عن مخرج؟

ويذهب الإعلامي ناصر حمد إلى أن تراجع وضع نتنياهو في استطلاعات الرأي يدفعه إلى البحث عن مخرج سياسي، عبر تحميل أطراف أخرى مسؤولية الإخفاقات المرتبطة بالحرب والانتخابات وما آلت إليه الأوضاع في غزة.

وفي هذا السياق، يرى حمد أن انتقال الاتهامات من مؤسسات إسرائيلية إلى شخصيات وأطراف خارجية، ومن بينها دحلان، يعكس محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي وإبعاد الأنظار عن الأسئلة الأكثر إحراجًا داخل إسرائيل.

أما عمر، فيضع هذه الاتهامات ضمن سلسلة أوسع من محاولات نتنياهو البحث عن جهة يتحمل معها مسؤولية الإخفاق، مؤكدًا أن المعركة السياسية الحقيقية ستظل مرتبطة بما حدث في 7 أكتوبر وبالمسؤولية التي ستحددها صناديق الاقتراع والتحقيقات والضغط الداخلي الإسرائيلي.

بين وقف الحرب وحسابات نتنياهو

اللافت في التطورات الأخيرة أن اسم دحلان بات يظهر عند تقاطع ثلاثة ملفات كانت منفصلة نسبيًا: الحرب على غزة، ومسارات وقف إطلاق النار، والانتخابات الإسرائيلية.

وهذا التقاطع يفسر جانبًا من حساسية الحضور السياسي لدحلان؛ فكلما ارتبط اسمه بمسار فلسطيني موحد أو باتصالات عربية وأمريكية أو بمحاولات لإنهاء الحرب، يصبح من الصعب حصر تأثيره في الإطار الفلسطيني الداخلي فقط.

وفي المقابل، فإن محاولة نتنياهو تقديم دحلان باعتباره طرفًا في الانتخابات الإسرائيلية تنقل المعركة إلى مستوى آخر، وتطرح سؤالًا عن دوافع هذا التصعيد وتوقيته، خصوصًا في ظل الضغوط السياسية التي يواجهها رئيس الحكومة الإسرائيلية.

وبين رواية تتحدث عن «تدخل في الانتخابات» ورواية أخرى تتحدث عن اتصالات لوقف إطلاق النار، تبقى الحقيقة السياسية الأبرز أن اسم محمد دحلان بات حاضرًا في ملفات تتجاوز حدود الساحة الفلسطينية، من الحرب والتهدئة إلى الاتصالات الدولية والحسابات الإسرائيلية الداخلية.

وبينما يحاول نتنياهو نقل المعركة إلى اتهامات تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية، تكشف التطورات الأخيرة أن حضور دحلان يرتبط بمسارات سياسية تتجاوز حدود هذا الاستحقاق، من توحيد الموقف الفلسطيني إلى الاتصالات الدولية ومساعي وقف الحرب. وهو ما يجعل استهدافه جزءًا من صراع أوسع على اتجاهات المرحلة المقبلة، وعلى الأطراف التي سيكون لها حضور في صياغة مستقبل غزة.