معارضة المستوطنات ليست نفياً لشرعية إسرائيل
نشر بتاريخ: 2026/09/09 (آخر تحديث: 2026/09/09 الساعة: 22:39)

• وافقت حكومات كلٍّ من آيسلندا، وأيرلندا، وبريطانيا، والدنمارك، والنرويج، وإسبانيا، وبولندا، والبرتغال، وفنلندا، وفرنسا، وكندا، والسويد، اليوم (الأربعاء)، على نيتها فرض قيود وطنية، ودعم قيود أوروبية على التجارة التي تتعلق بمنتوجات المستوطنات، وأعلنت أنها تدرس هذه الخطوات وإجراءات إضافية؛ كذلك أعلنت بريطانيا وفرنسا وكندا أنها ستتخذ إجراءات وطنية لمنع التجارة في المنتوجات التي تصدّرها المستوطنات.

• وبحسب ما كان متوقعاً، تعهّدوا في القدس بالرد بغضب. ومن المؤكد أن الخطوة ستوصف بأنها مقاطعة لإسرائيل، وتمييز ضد اليهود، ومحاولة للتأثير في الانتخابات المقبلة.

• لكن هذه الدول لا تقاطع المنتوجات الإسرائيلية، بل تميّز بين دولة إسرائيل وبين الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل منذ سنة 1967، وترسم حدوداً اقتصادية في المكان الذي عملت فيه الحكومات الإسرائيلية على محو الحدود السياسية طوال أعوام.

• هذا التمييز ليس جديداً؛ فالمنتوجات التي تُنتج في المستوطنات لا تحصل منذ أعوام على المزايا الجمركية الممنوحة لإسرائيل بموجب اتفاقياتها التجارية مع أوروبا. وحتى الآن، تمثّلَ هذا التمييز أساساً في حرمان تلك المنتوجات من الامتيازات الجمركية، ووضع علامات عليها، وإصدار توجيهات للشركات والمستهلكين.

• أمّا الحظر الذي تعتزم هذه الدول فرضه، فسيتقدم خطوة إضافية: لن يجعل منتوجات المستوطنات أكثر تكلفةً فحسب، بل يهدف أيضاً إلى منع دخولها إلى أسواق هذه الدول.

• أجريتُ دراسة في سنة 2015 بحثت في تطبيق قواعد المنشأ الأوروبية على المنتوجات المصنّعة خارج الخط الأخضر، ووجدنا أن هذه القواعد لم يكن لها تأثير مباشر تقريباً في اقتصاد المستوطنات، أو في السياسة الإسرائيلية؛ فصادرات المستوطنات كانت هامشية، مقارنةً بحجم التجارة الإجمالي، وكانت الرسوم الجمركية محدودة، والدولة عوّضت بعض المنتجين، وتمكنت الشركات من استيعاب التكاليف، أو الالتفاف عليها بطرق عديدة؛ ومن المتوقع أيضاً أن يكون التأثير الاقتصادي المباشر للحظر الذي بادرت إليه هذه الدول محدوداً؛ فمنتوجات المستوطنات لا تمثل سوى جزء ضئيل جداً من التجارة مع هذه الدول.

• علاوةً على ذلك، سيكون تطبيق الحظر معقداً؛ فالاقتصاد الإسرائيلي واقتصاد المستوطنات لا يتكونان من نظامين منفصلين. وربما تؤدي المواد الخام والمصانع والموزعون وشهادات المنشأ إلى طمس المكان الذي أُنتجت فيه السلعة فعلياً.

• ومَن يتوقع أن يؤدي الحظر إلى وقف توسيع المستوطنات، فعلى الأرجح، سيصاب بخيبة أمل، لكن هذا لا يعني أن الخطوة تفتقر إلى الأهمية.

• لم تكن المساهمة الرئيسية لقواعد المنشأ الأوروبية اقتصادية، بل قانونية وسياسية، إذ كرّست هذه القواعد مبدأً، مفاده بأن الاتفاقيات مع إسرائيل تنطبق على إسرائيل، لكنها لا تنطبق على الأراضي التي تسيطر عليها، وفي وقت لاحق، أصبح هذا المبدأ أساساً لوضع علامات على المنتوجات، وتقييد التمويل الأوروبي، وإبعاد الهيئات التي تعمل في المستوطنات عن برامج التعاون.

• إن تداعيات الخطوة التي اتخذتها هذه الدول أوسع كثيراً من حجم التبادل التجاري؛ فالرسالة تتعلق بالسيادة. ولا تستطيع إسرائيل أن تطالب هذه الدول بالاعتراف بتعريف إقليمي لم تحدده هي نفسها رسمياً قط، ويرفضه المجتمع الدولي، ولا يمكنها الدفع قدماً بمشروع البناء في المنطقة E1، وأن تغيّر الواقع على الأرض، ثم تطالب الدول الأُخرى بالتعامل مع المستوطنات كأنها جزء من إسرائيل. فالادّعاء أن الفصل الإقليمي يمثل تمييزاً ضد اليهود خطِر للغاية، لأن هذه المجموعة من الدول لا ترفض المنتوجات لأنها من إنتاج اليهود، بل لأنها أُنتجت في منطقة غير معترَف بأنها جزء من دولة إسرائيل.

• إن معارضة المستوطنات ليست نفياً لشرعية إسرائيل، بل العكس: إن التمييز بين إسرائيل وبين الأراضي المحتلة يؤكد تحديداً سيادتها داخل حدودها المعترَف بها. ومن المرجّح ألّا يُلحق الحظر ضرراً كبيراً باقتصاد إسرائيل، وألّا يؤدي إلى دفع عائلة واحدة إلى مغادرة مستوطنة، لكن قوته الأساسية تكمن في السابقة التي يرسّخها ويعمّقها.

• حاولت حكومات إسرائيل، على مدى عقود، إزالة الخط الأخضر من الخرائط والأسواق والوعي العام، والآن تقوم دول أُخرى بإعادته، والحدود التي ترفض إسرائيل رسمها لنفسها، بدأ الخارج برسمها لها.