نكبة مستمرة… أم موعد مع الحياة؟
نشر بتاريخ: 2026/08/02 (آخر تحديث: 2026/08/03 الساعة: 00:47)

لم يعد الزمن في فلسطين يُقاس بالأيام والشهور، بل بعدد الأرواح التي تُزهق، والبيوت التي تُهدم، والأحلام التي تُدفن تحت الركام بالة حرب الإبادة. فلم يتبقى سوى 67 يوماً على دخول حرب الإبادة الإسرائيلية عامها الرابع، حيث لا يقف الفلسطيني أمام رقم عابر في التقويم، بل أمام محطة تاريخية تختزل واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوةً في العصر الحديث؛ حربٌ استهدفت الإنسان والأرض والذاكرة، وسعت إلى تقويض مقومات الحياة ذاتها.

إن هذا العدّ التنازلي لا يعلن اقتراب نهاية زمن، بقدر ما يفضح امتداد جريمة احتلال ما زالت تُرتكب على مرأى العالم ومسمعه. ثلاثة أعوام من القتل والتدمير والتجويع والحصار والتهجير القسري، ومحاولات اقتلاع شعبنا الفلسطيني من أرضه، وكسر إرادته، ومحو هويته الوطنية والتاريخية. ومع ذلك، لم تنجح هذه الحرب في انتزاع المعنى الأعمق الذي يحمله الفلسطيني: التشبث بالحياة مهما بلغت كلفة البقاء.

ليست النكبة الفلسطينية حدثاً انتهى عام 1948، ولا صفحةً أغلقتها كتب التاريخ، بل هي مسار متواصل تتبدل فيه الأدوات وتبقى الغاية واحدة اقتلاع الفلسطيني من أرضه وإنكار حقه في الوجود.

وفي السنوات الثلاث الأخيرة، تجلت هذه الحقيقة بأوضح صورها؛ إذ تحولت المدن والمخيمات إلى ساحات دمار، وأصبح النزوح المتكرر قدراً يومياً، يرحل فيه الإنسان من خيمة إلى أخرى، ومن منطقة وُصفت بأنها اقل خطر إلى أخرى لا تقل خطراً عنها. وغدا الحصار والتجويع وسيلتين لإخضاع المدنيين، بينما طال الدمار المستشفيات والمدارس والجامعات، في محاولة لضرب أسس المجتمع الفلسطيني ومستقبله.

ولم تقتصر آثار هذه الحرب على الخراب المادي، بل امتدت إلى الإنسان ذاته؛ إلى ذاكرته، وصحته النفسية، وعلاقاته الاجتماعية، ومستقبله، في محاولة لصناعة اليأس بوصفه واقعاً دائماً. غير أن التاريخ الفلسطيني يثبت، مرة بعد أخرى، أن ما يُراد له أن يكون نهاية، يتحول غالباً إلى بداية جديدة لفصل آخر من الصمود.

في مواجهة منطق الإبادة، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال البقاء: هل ما زال الفلسطيني على موعد مع الحياة؟

الإجابة لا تُصاغ بالشعارات، بل يكتبها الواقع كل يوم. فالحياة هنا ليست ترفاً، ولا خياراً سهلاً، وإنما فعل نضالي يومي. إنها في الطفل الذي يواصل التعلم رغم فقدان المدرسة، وفي الطبيب الذي يداوي الجرحى بإمكانات محدودة، وفي المزارع الذي يعود إلى أرضه كلما سنحت له الفرصة، وفي الأسرة التي تعيد نصب خيمتها بعد كل تهجير أو استهداف، مؤمنة بأن العودة إلى الحياة هي أول أشكال الانتصار على مشروع الإبادة.

إن الموعد مع الحياة يعني التمسك بالأرض، وصيانة الهوية، وإعادة بناء ما هدم، وتحويل الركام إلى نقطة انطلاق جديدة. كما يعني الإيمان بأن العدالة، وإن تأخرت، لا تسقط بالتقادم، وأن الحقوق لا تُمحى بالقوة، وأن الشعوب التي تدافع عن وجودها تظل قادرة على صناعة مستقبلها.

إن اقتراب حرب الإبادة من عامها الرابع ليس موعدا لإحصاء الأيام فحسب، بل دعوة مفتوحة إلى تجديد الوعي والمسؤولية. فالذاكرة ليست بكائية على الماضي، وإنما فعل نضالي يحفظ الحقيقة من التزييف، ويمنح الأجيال القادمة القدرة على فهم ما جرى والدفاع عن حقها في الحرية والكرامة.

كما أن هذه اللحظة التاريخية تستدعي من المثقفين والإعلاميين والأكاديميين وأحرار العالم مواصلة الدفاع عن الحقيقة، وتوثيق الجريمة، وحماية الرواية الفلسطينية من محاولات التشويه والطمس، لأن المعركة ليست عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة على الذاكرة والوعي والرواية.

وبين نكبة لم تتوقف منذ عقود، وحرب إبادة تدخل عامها الرابع، يواصل الفلسطيني كتابة فصله الأكثر إيلاماً والأكثر إشراقاً في آن واحد. فمن قلب الركام يولد الأمل، ومن بين الأنقاض تُصاغ إرادة الحياة، ومن رحم المعاناة تتجدد القدرة على النهوض.

قد يطول الليل، وقد تتعاظم التضحيات، لكن الشعوب التي تتمسك بحقها في الحياة لا تُهزم بإرهاب القوة، ولا تنكسر أمام آلة الدمار. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كم مضى من الزمن؟ بل: كيف استطاع هذا الشعب، رغم كل ما واجهه، أن يحافظ على إيمانه بالحياة؟

ولعل الإجابة هي ما يختصر الحكاية كلها: لأن الفلسطيني يدرك أن البقاء على أرضه ليس مجرد حق، بل رسالة، وأن الحياة التي يدافع عنها اليوم هي الطريق إلى غد اكثر حرية وعدلا وكرامة.