«حماس» لن تتخلى عن الحكم
نشر بتاريخ: 2026/07/01 (آخر تحديث: 2026/07/01 الساعة: 19:55)

هناك جدل كبير في الساحتين المحلية والإقليمية حول موضوع سلاح حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية في غزة، وربط هذا الموضوع بتنفيذ خطة العشرين بنداً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث تنص الخطة التي وافقت عليها «حماس» على نزع السلاح وربط ذلك بالانسحاب الإسرائيلي وتولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة مسؤولياتها، وانتشار قوات الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية، وإعادة إعمار قطاع غزة، أي تطبيق المرحلة الثانية من الخطة. ويبدو من طبيعة الحوارات والمواقف التي تتمحور حول نزع السلاح أن هناك سوء فهم أو عدم إدراك للموقف الحقيقي لحركة «حماس»، وذلك بسبب وجود موقفَين متناقضَين للحركة أحدهما داخلي وأيديولوجي وهو الأهم والذي يحدد الموقف النهائي لها، والآخر للتسويق وموجه للشارع والفصائل والوسطاء والمجتمع الدولي وهو براغماتي ومرن ويمكن قراءته بطريقة إيجابية نوعاً ما، ولكنه مراوغ ومتملص ويحاول الهروب من المسؤولية.

والسؤال الذي طرحه البعض على «حماس»: هل تريدون الحكم والسلاح أم شعب غزة؟ هو إما ساذج لا يميز ما الذي تريده «حماس» فعلاً أو استنكاري وتحريضي على الحركة التي ترهن مستقبل الشعب بالتمسك بالحكم وبالوسيلة الوحيدة التي تمكنها منه وهي السلاح. وفي الحالتين يبدو الرد واضحاً حتى الآن، وهو أن «حماس» متمسكة بالحكم طالما هي على قيد الحياة ولديها عناصر وكوادر قادرة على حمل السلاح والسيطرة على الشارع. وهذا يعيدنا للموقف الأيديولوجي للحركة؛ فـ»حماس» كأي حركة أصولية وأيديولوجية هدفها ومشروعها هو الحركة نفسها وليس مشروعاً وطنياً أو قومياً أو سياسياً؛ فكل هذه الأشياء يمكن أن تندرج في إطار الوسائل أو الأدوات التي يمكن استخدامها لبقاء الحركة وهيمنتها على الشارع. وعندما نتحدث عن «حماس» فنحن نتحدث عن حركة «الإخوان المسلمين»، وكل محاولات الفصل بين الاثنتين هي فاشلة بامتياز. ولا تزال «حماس» فرعاً من «الإخوان» وتدين بالولاء لها، بل إن هذا أهم بكثير من كل القضايا التي نعتبرها نحن وطنية وجوهرية. ولعل القيادي محمود الزهار قد لخص ذلك بدقة عندما قال: إن فلسطين كالسواك بالنسبة لمشروعهم أي لا تكاد تذكر.

جماعة «الإخوان المسلمين» حركة عالمية لا تؤمن بالوطن القومي، وتتبنى فكرة أن الأرض كلها لله وأن الإمارة أو الدولة الإسلامية ستقوم عليها كلها أو على ما تستطيع هذه الحركة وغيرها من السيطرة عليها من هذا العالم. واستخدام فلسطين هو فقط جيد للشعارات بحكم شعبية القضية الفلسطينية وأهميتها في العالمَين العربي والإسلامي. ولكن تحرير فلسطين قد لا يكون بدرجة أهمية الحكم في أفغانستان أو بنغلادش أو ماليزيا أو تركيا أو أي بقعة تستطيع فيها هذه الحركة ومَن على شاكلتها الحكم وتطبيق المبادئ والقواعد التي يراد للبشرية أن تمشي على أساسها. و»حماس» لا تخرج عن هذه القاعدة ولو راجعنا سلوك الحركة منذ سيطرتها على غزة في الانقلاب، الذي نفذته ضد السلطة الوطنية في عام 2007، سنجد ببساطة أن كل هذا الذي نسميه مشروعاً وطنياً لا يعني «حماس» في شيء سوى الحصول على الشرعية الشعبية وربما الشرعية الإقليمية والدولية، ولكن في حقيقة الأمر الحركة ووجودها وحكمها أهم بكثير من الشعب والوطن.

هذا لا يعني أن «حماس» لا تضحي، بل بالعكس عندها استعداد للتضحية حتى الانتحار من أجل تحقيق أهدافها. وعندما تصبح التضحية بالنفس عقيدة يمكن فهم أن التضحية بالشعب أيضاً جزء من هذه العقيدة بل هو الجزء الأسهل. واليوم يمكننا أن نلاحظ أنّ عناصر وكوادر «حماس» يتعرضون للاستهداف بصورة شبه يومية ولا تكترث قيادة الحركة لهذه الخسائر لا في صفوفها ولا في الشعب. ويمكنها في مرحلة معينة أن تذهب للانتحار وتأخذ الشعب معها طالما هي تسعى لتحقيق هدف أيديولوجي عميق يتجاوز المصالح البرغماتية لكل الشعب.

وعليه، لا ينبغي أن نخطئ قراءة «حماس» وموقفها الداخلي الحقيقي الذي هو الناظم لسلوكها وقراراتها، والذي غالباً يختلف عن الموقف المعلن الذي يحاول تسويق الحركة كأنها مرنة وبرغماتية وتتطلع لمصالح عملية وآنية لها وللناس. فما نسمعه اليوم من قيادة «حماس» وما يسمعه الوسطاء هو سعي للتنصل من المسؤولية ومحاولات متتالية للتذاكي بهدف كسب الوقت وتغيير طريقة التعامل مع «حماس». والحركة، التي تتغطى بموقف فصائل لا دور حقيقياً لها، تعتقد أنه في نهاية المطاف سيجبر الجميع للتعامل مع وجودها وحكمها لغزة كأمر واقع لا مناص منه. والمفروض من وجهة نظر «حماس» أن يبقى سلاحها بأي شكل من الأشكال حتى لو في إطار قوة شرطية تتسلم مهمات الأمن الداخلي، وتبقى سلطتها المدنية من خلال موظفيها في كل الوزارات والسلطات، وأن يكون دور اللجنة الوطنية لإدارة غزة غطاءً ولكن دون سلطات حقيقية وتنفذ ما تريده الحركة أو ما لا يتعارض مع مصالحها، لكنّ هناك شيئاً واحداً ربما يغيب عن حسابات «حماس» وهو يقع في إطار محاولة كسب الوقت والمراهنة على التغيير في إسرائيل في الانتخابات القادمة.

وربما تفكر «حماس» بناءً على استطلاعات الرأي الحالية في إسرائيل بأن نتنياهو سيذهب وتأتي حكومة جديدة قائمة على دعم الحركة الإسلامية «القائمة العربية الموحدة» بقيادة منصور عباس، وأن هذا التغيير سيسمح لبقائها في غزة. وإذا كان هذا تفكيرها فهي مخطئة تماماً؛ فالمعارضة الصهيونية بجميع تلاوينها تحمل موقفاً أكثر تشدداً من نتنياهو ضد «حماس» وضرورة القضاء عليها، ورفض فكرة استخدامها ذريعة لاستمرار السياسة الإسرائيلية الحالية. وهكذا يبدو أننا داخلون على مرحلة حرب شاملة في غزة بغطاء أميركي، وبذريعة توفرها «حماس» بموقفها الحالي الذي لا يستفيد من دور الوسطاء.