واقع العمالة في فلسطين وانعكاسات الحرب على قطاع غزة
نشر بتاريخ: 2026/06/30 (آخر تحديث: 2026/06/30 الساعة: 23:33)

يُعدّ سوق العمل الفلسطيني من أكثر القطاعات تأثرًا بالتطورات السياسية والاقتصادية، إذ يعاني منذ سنوات اختلالات هيكلية ناجمة عن القيود المفروضة على الحركة والتجارة، وضعف الاستثمار، واعتماد شريحة واسعة من القوى العاملة، ولا سيما في الضفة الغربية، على العمل داخل إسرائيل. كما يواجه قطاع غزة تحديات مزمنة بفعل الحصار وتراجع النشاط الاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر حتى قبل اندلاع الحرب. وتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة في الأراضي الفلسطينية كان من بين الأعلى عالميًا، إذ بلغ في قطاع غزة نحو 45% بنهاية عام 2022، مقابل نحو 13% في الضفة الغربية.

ومع اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهد سوق العمل الفلسطيني تدهورًا غير مسبوق. ففي قطاع غزة، أدى الدمار الواسع الذي طال المنشآت الصناعية والتجارية والبنية التحتية إلى توقف معظم الأنشطة الاقتصادية وفقدان مئات الآلاف من فرص العمل. وقدّرت منظمة العمل الدولية فقدان أكثر من 500 ألف وظيفة في الأراضي الفلسطينية خلال الأشهر الأولى من الحرب، من بينها نحو 200 ألف وظيفة في قطاع غزة، ما دفع معدل البطالة إلى تجاوز 50%، مع توقعات بارتفاعه إلى 57% إذا استمرت الأزمة.

أما في الضفة الغربية، فقد أدى تعليق تصاريح العمل لعشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين داخل إسرائيل، إلى جانب تشديد القيود على الحركة والإغلاقات المتكررة، إلى تراجع مستويات التشغيل والدخل. وتشير التقديرات إلى أن نحو 200 ألف عامل كانوا يعتمدون على العمل داخل إسرائيل قبل الحرب، وأن تعليق معظم هذه التصاريح ألحق خسائر اقتصادية جسيمة بالأسر الفلسطينية، ورفع معدل البطالة إلى نحو 30% في بعض الفترات، بالتزامن مع استمرار تراجع النشاط الاقتصادي والاستثماري.

وانعكست هذه التطورات مباشرة على الأوضاع المعيشية، إذ انخفضت القدرة الشرائية، وارتفعت معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وأصبحت المساعدات الإنسانية مصدرًا رئيسيًا للدخل لعدد كبير من الأسر، خاصة في قطاع غزة. كما تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في فلسطين بنحو 29% بين الربع الأول من عام 2023 والربع الأول من عام 2025، في حين تجاوز انكماش اقتصاد قطاع غزة 87% خلال الفترة نفسها، بينما تراجع متوسط دخل الفرد الحقيقي في الضفة الغربية بأكثر من 20% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

وكان الشباب والخريجون الأكثر تضررًا، إذ تقلصت فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص، واضطرت مؤسسات عديدة إلى تقليص أعمالها أو إيقافها بالكامل، مما أدى إلى اتساع فجوة البطالة وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

إن تحسين واقع العمالة الفلسطينية يتطلب تبني خطة وطنية شاملة لوقف التدهور الاقتصادي، وتسريع إعادة إعمار المناطق المتضررة، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق برامج تشغيل مستدامة، وتعزيز الاستثمار المحلي والدولي، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتحسين مستويات الدخل، وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة الأزمات.