هل هو سراب الحرب أم الحرب فعلاً؟
نشر بتاريخ: 2026/06/04 (آخر تحديث: 2026/06/04 الساعة: 17:23)

لا تزال رياح الحروب في منطقة الشرق الأوسط تزأر بكل قوة أمام أبواب مفتوحة على كل الاحتمالات. قد يرى البعض أن أكثر من تسعين يوماً مضت منذ شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، ولكن من كان يظن أن الحرب على قطاع غزة الصغير ستتواصل دون توقف منذ اثنين وعشرين شهراً ولا تزال لم تقفل على نتيجة حاسمة؟

وربما يتجنب الكثيرون، بما في ذلك وسائل الإعلام العربية وغير العربية ذكر أن ثمة حرباً تتعرض لها الضفة الغربية والقدس منذ سنوات وبوسائل متعددة، من القصف، والقتل والاعتقال، وهدم المنازل وسرقة الأرض، والتوسع الاستيطاني، وسرقة الأموال وحتى المواشي، والتهجير القسري.

منذ سنوات طويلة، وحتى قبل ولاية الرئيس ترامب الأولى، كانت كوندوليزا رايس قد تحدثت عن الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد وتغيير المعادلات الجيوسياسية، التي بدا وكأنها مستقرة منذ سايكس بيكو العام ١٩١٦.

وتزامن كل ذلك، مع عرض نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لخارطة إسرائيل، التي تشمل كل فلسطين التاريخية ثم أتبعها بخارطة إسرائيل الكبرى، التي يرسمها العلم الإسرائيلي.

لم تكن ثمة ذرائع مباشرة لشن الحرب على إيران في أيار العام المنصرم، سوى فصل الجبهات وإضعاف إيران، فمضيق هرمز الذي أصبح هدفاً كان مفتوحاً على الغارب وكان المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي قد أصدر فتوى يعلمها الجميع بالامتناع عن تطوير برنامج نووي، وبدا وكأن إيران تتجه نحو التفاهم مع السعودية ودول الخليج بشأن أمن المنطقة، وعلى قاعدة حسن الجوار. في الحرب الجارية تختلط الأهداف على نحو مربك، وتتعمق التناقضات، فإذا كان ما يدعيه الرئيس ترامب ويكرره ليل نهار صحيحاً من أن الفصل الجاري من الحرب قد أدى إلى تدمير مقومات البرنامج النووي، وأن الضربات أنهكت إيران ودمرت جيشها، ومنصات الدفاع الجوي والصاروخي وقضت تماماً على القدرات البحرية الإيرانية، وأخضعت موانئها إلى حصار خانق فوق الحصار، فلماذا إذاً المفاوضات؟

هكذا يكرر الرئيس ترامب أعزوفة تحقيق الانتصار، وكان من الطبيعي إذاً، وفق ادعائه، أن يملي شروطه كمنتصر دون الحاجة إلى مفاوضات.

مجريات الأوضاع تشير إلى نحو لا يحتاج لبراهين إلى أن الإيرانيين يفضلون الحل الدبلوماسي ولكن في الوقت ذاته، فإن الرئيس ترامب هو من يتوسل هذا الحل، وفي تناقض مع الوقائع، ينتظر من إيران استسلاماً كاملاً، فكيف يمكن فهم ذلك؟

على مدار الوقت، وتدافع الوقائع، يتأكد تماماً أن ثمة تنسيقاً مستمراً وعميقاً بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بصرف النظر عن سؤال من هو الطرف الذي فرض على الآخر المبادرة لشن الحرب، الأمر الذي أصبح جوابه معروفاً.

لسنا نحن من يقول إن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها رغم كل ما ارتكبته من جرائم، بل إن الأصوات تتعالى في إسرائيل والولايات المتحدة، وتتحدث بلسان فصيح بأن الطرفين فشلا في تحقيق أي من الأهداف التي تحدثت عنها قيادات الدولتين. صحيح أن إسرائيل قتلت وأصابت مئات الآلاف على مختلف الجبهات، ودمرت بنى تحتية ومباني ومزارع، وهجّرت مئات الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين، واحتلت أجزاء من سورية ولبنان وقطاع غزة تتجاوز مساحتها الألف كيلومتر مربع، معظمها من سورية ولكن، هل غيرت الحروب النظام الإيراني؟ وهل دمرت قدرة إيران على متابعة التحدي؟ هل نجحت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة في الفصل بين الجبهات بالنسبة لمحور المقاومة؟ هل نجحت الولايات المتحدة في فتح مضيق هرمز، وإخضاع إيران، وفرض شروطها عليها؟ هل حافظت الولايات المتحدة على تحالفاتها، وعلاقاتها ومصالحها في منطقة الخليج، ودول المنطقة عموماً؟

هل نجحت إسرائيل في تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء أو إلى أي مكان آخر، رغم حرب الإبادة، وحرب التجويع وإعدام وسائل الحياة؟ في غزة تتعثر خطة العشرين بنداً، بفعل إسرائيلي لا يزال يعتمد شن الحرب بوتائر أقل صخباً مما كان عليه الأمر، ولا يزال مجلس السلام عاجزاً عن جمع الأموال، أو تشكيل ما تسمى قوات حفظ السلام في القطاع، ناهيك عن الفشل في نزع سلاح المقاومة، والفشل يمتد ليشمل نزع سلاح المقاومة اللبنانية التي أظهرت قدرات غير مسبوقة في التصدي للقوات الإسرائيلية التي تتكبد خسائر يومية موجعة وتستدرجها إلى كمائن الموت المحقق.

المشهد العام، ينطوي على إشارات بفقدان الإدارة الأميركية الخيارات، فلا هي قادرة على مواصلة الحرب عسكرياً، ولا هي مستعدة للنزول عن شجرة الشروط الصعبة التي ترفعها، ولكن هذا ليس كل شيء والأرجح أن ثمة قدراً من الخديعة.

نتنياهو القلق جداً من إمكانية التوصل إلى اتفاق بين إيران وأميركا ظل كل الوقت يعمل لإفساد ذلك، عبر التصعيد في لبنان وغزة والضفة، ولكنه لم يدرك أنه يفسد على ترامب مخططاته ويعرّض المصالح الأميركية للخطر.

كان يمكن كل الوقت ملاحظة سياسة الابتزاز التي يتعرض لها ترامب من قبل نتنياهو، ولكن تدخل الرئيس الأميركي لوقف الهجمات الإسرائيلية على بيروت والضاحية، يشير إلى أن لهذا الابتزاز حدوداً. حين هددت إيران بوقف المفاوضات، وبتفعيل الجبهات الأخرى، بما في ذلك مضيق باب المندب، وأنذرت سكان بلدات إسرائيلية بالإخلاء، اضطر ترامب إلى إجراء مكالمة قيل: إنها مهينة وصعبة مع نتنياهو، الذي اضطر صاغراً، للامتثال. هذا يؤكد مرة أخرى فشل سياسة الفصل بين الجبهات، كما يؤكد أن إسرائيل لا تملك قراراً سيادياً، وأنها لا تستطيع شن أي حروب دون الدعم الأميركي.

هكذا تقول أصوات المعارضة الإسرائيلية والكثير من الكتاب والصحافيين الإسرائيليين، والوقائع قد تشير إلى أن الإدارة الأميركية تنتظر الوقت المناسب للعودة إلى الحرب، لحفظ ماء وجه الدولة الأقوى، ولأن للهزيمة آثاراً تاريخية صعبة.