قلعة واحدة ومعركتان والعدو نفسه
نشر بتاريخ: 2026/05/31 (آخر تحديث: 2026/05/31 الساعة: 23:26)

قلعة الشقيف… حين يعود المحتل إلى عقدته القديمة

لم يكن رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف حدثاً عسكرياً عادياً، ولم تكن فرحة جنود الاحتلال وهم يوثقون المشهد سوى اعتراف متأخر بحقيقة يعرفونها جيداً: بعض الأماكن تتحول إلى عقدة في الوعي العسكري، وبعض الهزائم تبقى حية في الذاكرة مهما طال الزمن.

قبل أربعة وأربعين عاماً، اجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان بآلاف الجنود والدبابات والطائرات، معتقداً أن الطريق إلى بيروت ستكون نزهة عسكرية سريعة. لكن عند قلعة الشقيف اصطدم بشيء لم يكن في حساباته. هناك، في تلك القلعة المعلقة بين السماء والأرض، وقف عشرات الفدائيين الفلسطينيين ليكتبوا واحدة من أكثر صفحات الصمود إيلاماً للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

لم تكن المعركة متكافئة. كان الفارق في العدد والسلاح والتكنولوجيا هائلاً. ومع ذلك، دفع الجيش الإسرائيلي ثمناً لم يتوقعه. سقط له قتلى وجرحى، وتعطلت خططه، واضطر إلى خوض معركة تحولت لاحقاً إلى مادة للدراسة العسكرية داخل إسرائيل نفسها. يومها لم يتحدث الإسرائيليون عن نصر مجيد، بل عن انتصار مكلف، وعن موقع صغير أجبر جيشاً كاملاً على دفع ثمن لم يكن مستعداً له.

ومنذ ذلك الوقت، لم تغادر الشقيف الذاكرة الإسرائيلية.

ولهذا، عندما عاد الجيش الإسرائيلي بعد أربعة وأربعين عاماً ليعلن السيطرة على القلعة ويرفع علمه فوق أسوارها، لم يكن يحتفل بما أنجزه اليوم بقدر ما كان يحاول الثأر مما عجز عن محوه منذ عام 1982.

فالدول لا تحتفل بالسيطرة على الحجارة. الجيوش لا تصنع مشاهد دعائية فوق مواقع عادية. وحدها العقد التاريخية هي التي تدفع المحتل إلى تحويل صورة علم مرفوع فوق قلعة إلى إعلان سياسي ونفسي موجه لجمهوره أولاً.

لقد تغيرت القوى التي تواجه إسرائيل على أرض الجنوب، وتبدلت الأسماء والتنظيمات والظروف الإقليمية، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الشقيف دخلت التاريخ من بوابة الفدائي الفلسطيني. هناك سقط مقاتلون فلسطينيون دفاعاً عن كرامة شعبهم وعن حقهم في مقاومة الاحتلال، وهناك وُلدت الأسطورة التي جعلت من القلعة رمزاً يتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية والفلسطينية معاً.

ولهذا فإن أي محاولة لطمس تلك الحقيقة أو إعادة كتابة الذاكرة تبدأ بالفشل قبل أن تبدأ بالرواية. فالشقيف ليست مجرد أثر حجري يطل على الجنوب، بل شاهد على مرحلة كاملة من تاريخ النضال الفلسطيني. وكل علم يُرفع فوقها اليوم أو غداً لن يستطيع أن يمحو الدم الذي سُفك على أسوارها ولا الأسماء التي ارتبطت بها منذ صيف 1982.

إن المفارقة الكبرى أن إسرائيل التي أعلنت انتصارها على الفدائيين الفلسطينيين قبل عقود، تجد نفسها بعد كل هذه السنوات ما تزال تعود إلى الأماكن نفسها، وتخوض المعارك نفسها، وتبحث عن الصور نفسها، وكأنها لم تستطع حتى الآن إقناع نفسها بأنها انتصرت فعلاً.

فالمنتصر الحقيقي لا يعود إلى الماضي ليقاتله من جديد.

أما الشقيف، فقد بقيت أكبر من كل الأعلام التي تعاقبت فوقها. بقيت عنواناً لعناد المقاتل الفلسطيني، ورمزاً لذاكرة لا تستسلم، ورسالة تقول إن الشعوب قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم ما دامت قادرة على تحويل مواقعها الصغيرة إلى رموز كبيرة.

كانت الشقيف بالأمس قلعة للفدائي الفلسطيني، وهي اليوم شاهد على استمرار الصراع ذاته بأدوات وأسماء مختلفة. أما إسرائيل، التي جاءت إليها مرة بالدبابة ومرة بالطائرة ومرة بالعلم، فما زالت تكتشف الحقيقة نفسها: يمكن احتلال الأرض بالقوة، لكن الذاكرة عصية على الاحتلال.

ولهذا ستبقى قلعة الشقيف، مهما تبدلت الرايات والسنوات، شاهدة على أن الفلسطيني الذي قاتل فوق حجارتها لم يكن يدافع عن موقع عسكري فحسب، بل كان يزرع في الوعي العربي رمزاً لا يزال يربك المحتل بعد أربع وأربعين عاماً من المعركة.