في الثامن من فبراير كتبت مقالاً عن أهلية حماس لتقرير مصير غزة. لم يكن ملاحظة عابرة لكارثة مقيمة، بقدر ما هو دعوة لأخذ زمام المبادرة من قوة باتت عالقة، ويهدد استمرار وجودها بهذا الشكل بمزيد من الكوارث التي ستنتهي بفناء غزة. لم يكن الأمر مجرد تساؤل سياسي يبحث عن إجابة، لكنه يرتبط بخطاب حاكم يتسع انفصاله عن الواقع حدًا يرفع الخطورة، حدًا يستدعي البحث عن مخرج لهذه الورطة التي أخذت فيها حماس شعبًا كاملًا نحو الدمار، لمجرد حلم أو حسابات طفولية لشيخ لم يجد ما يفعله غير لعبة الأرقام، كما المقامرون في صالات القمار، لتكون النتيجة خسارة كل شيء حد الإفلاس.
لم أعد أقبل أن يمضي أهلي العيد بين الخيام، ولا الأصدقاء ولا كل الغزيين، وبلا أمل بالخروج من هذا الواقع الذي يتمنون فيه الموت. لم أعد أطيق أن يعيش أهلي بين القوارض فقط لمجرد أن هناك من يريد أن يستمر في غزة، دون أن يدرك حتى اللحظة فداحة سياسياته التي تقتضي عزله تمامًا، لفقدانه الأهلية السياسية التي كانت ظاهرة سابقًا دون أن يتوقف أمامها الغزيون، لأن الكلفة كانت أقل كثيرًا على شكل حصار وحياة بؤس، ولكن حين وصل الأمر للتسبب بسحق المكان اختلف الأمر، فقد بات وجود حماس وخطابها وسياستها ونقاشها حتى ثقلًا لا يمكن استمرار حمله على أكتاف غزة المنهكة. بالتأكيد لا يمكن تبرئة إسرائيل من دم غزة، ولكن لا يمكن إغفال سياسات حماس البدائية التي مكنت إسرائيل من غزة.
يتحدث منتسبو حماس كأن ما حدث بغزة كان مجرد كاميرا خفية، وهيا نعود للمصالحة وشراكة الحكم والإدارة وإلقاء مسؤوليات نحو السلطة، وهكذا من خطاب يعكس تمامًا حجم الانفصال عن واقع يمعن يوميًّا في الكارثة بسبب الحركة نفسها، فقد داست الأحداث هذا الخطاب القديم الذي كان يتلاءم مع ما قبل المغامرة الكبرى. أتحدث يوميًّا مع الأهل في غزة والأقارب والأصدقاء، يصدمك أحدهم بالقول إن حماس تجمع ضرائب، لم أصدق، ففي أحداث أقل تتوقف الدول عن ذلك أثناء الكوارث، والأهم في ذلك ما يعكس قصورًا هائلًا بمفهوم الحكم، فالعملية تبادلية بين الضرائب والخدمات، بين الحقوق والواجبات, أي أن يعطي الحاكم خدمات مقابل جمع ضرائب. خدمات على نمط رصف طرق وتعليم وشبكات اتصالات وكهرباء وغيره، لكن إذا يتم جمع ضرائب في غزة في هذا الوضع فتلك ذروة الانفصال، وذروة إخضاع الشعوب بالقوة!
يقول صديقي الصحافي إن أمن حماس يستدعي الصحافيين، ويمارس نوعًا من الترهيب بهدف زرع رادع داخلي لضمان ألا تخرج تقارير عن واقع غزة وحكم بقايا الحركة، والأهم أن لا أحد من الذين يتم استدعاؤهم يجرؤ حتى على التقدم بشكوى، أو الحديث عن الاستدعاء على وسائل التواصل، فهناك قدر من الترويع يشبه مرحلة بدايات السيطرة على غزة، هكذا يقولون، فلماذا كل هذا الذي يعني بالتفاصيل موت غزة؟
توقفت المفاوضات عند سلاح حماس، وكان رد الحركة أن السلاح يسلم عند إقامة الدولة. هذا نظريًّا يمثل موقفًا مهمًا، ولكن أيضًا هذا كان يصلح قبل السابع من أكتوبر، وقبل أن يتشكل إجماع كوني على تجريد الحركة من السلاح، وربط ذلك بسحب جيش إسرائيل الذي لا يتوقف عن الزحف بغزة، وربطه بإعادة الإعمار، لتصبح المعادلة بعد أن نفذ السلاح الثقيل "بندقية في يد منتسب لحماس مقابل حياة الخيام لغزة".. وتلك معادلة فادحة.
فلا حماس ستقاتل بعد التجربة، ولعلها أدركت أن تحرير فلسطين لا يكون كما نظرياتها السطحية، فالحلم حين يزيد على حده ينقلب ضده، كما كل الأشياء. وقد جربت حماس نفسها وبرنامجها ولم يحصد الفلسطينيون سوى الخراب. آن أوان أن تترك لشعب غزة أن يقرر مصيره، فلا يجوز من أجل مصلحة فئة محددة أن تستمر معاناة ملايين، فالأمر واضح ولا تحتاج غزة هذا الكم من السلاح. والتجربة تقول إن القليل منه طرد إسرائيل من غزة، أما الكثير منه فقد أعادها، والمهم هو كيف يتم استخدامه بذكاء؟ وعندما استخدم خاليًّا من الحد الأدنى من ذلك كانت الكارثة.
عيد كئيب في غزة خالٍ من الحياة وفائض بالبؤس والشقاء والضرائب والخيام والحشرات والقوارض والفقر والجوع والمرض، وكل ما اخترعته اللغة العربية من مفردات تعبر عن الحزن والوجع. هكذا هي غزة التي تقف أمام سيناريوهين لا ثالث لهما، إما أن تدرك حماس أنها لم تعد مؤهلة بعد ما فعلت وما أنتجت من سياسات، أو أن تستمر بنفس السلوك والخطاب الذي يعرف الجميع أنه بات بلا مضمون، يعبر يوميًا عن فقدان الأهلية، وتتنحى تاركة للغزيين تقرير مصيرهم، لكن أن تستمر بإعتبار أن كل الفلسطينيين فاقدون للأهلية السياسية والوطنية والدينية، كما بنت تصوراتها الذهنية عن غيرها من الشعب، ووحدها من يملك الصواب، وتستمر ومعها يستمر الوجع والحزن والبؤس والحصار واللا إعمار والجوع والانهيار.. لا يجب أن نشارك نحن في خديعة الصمت تجاه الغزيين الذين ينتظرون عيدًا بلا وجع وبلا أحزان، وأن يتوقف العبث في مصيرهم.