الله أكبر الله أكبر .. رفعت الجلسة
نشر بتاريخ: 2026/05/26 (آخر تحديث: 2026/05/27 الساعة: 14:24)

فوق أطلال غزة المنكوبة، وبوقارٍ إعتلت قاضية ترتدي ثوباً يشبه شجرة زيتونٍ هرِمة نجت وحيدة من قصف أباد حياً بأكمله، ترتدي ثوب العدالة الأسود، وقد علقت بأطرافه بعض بقع الدم وغبار إسمنتٍ لا تعرف إن كانت من بيتٍ مهدّم… أم من شاهد قبر.

في قاعة المحكمة كان سقف السماء مثقوباً، والركام جدران مؤقتة، مليئة بدفاتر طلاب المدارس وصور الراحلين وشواهد القبور كانت مقاعد إنتظار .

لم يكن المتهمون أشخاص ، بل ظلالُ خياراتٍ أثقلت ظهر الجغرافيا ...

(حركة حماس، والسلطة الفلسطينية).

تقدّمت الى المنصة عروس لم تكتمل فرحتها في الحرب ممثلةً عن النيابة العامة، وبدأت بقراءة لائحة الاتهام بنبرةٍ أثقل من الغبار المتراكم فوق الخيام.

*لائحة الاتهام*

التفتت العروس ( النيابة) نحو حركة حماس وقالت:_

"نتهمكم ونحن منكم بأنكم وبدون وجه حق قد إنفردتم وحدكم بقرار السلم والحرب، وقررتم وغامرتم بقراراتٍ أكبر من قدرتنا على الاحتمال أو الصبر .

دخلت الحرب بيوتنا أسرع من الخبز، وحفظ الأطفال أسماء الصواريخ أكثر من أناشيد المدرسة.

أتسع الموت حتى ضاقت البيوت بأصحابها، والعيد غدا ذكرى مؤجلة في ذاكرة الصغار "

ثم استدارت نحو السلطة الفلسطينية، وقالت بصوتٍ لا يخلو من المرارة:

"أما أنتم، فتهمكم الصمت والعجز حد الغياب.

حين كانت الخيام تتمدد كجغرافيا جديدة، كنتم تغادرون التاريخ .

مكاتبكم لا تعرف من الوطن سوى أنه ورقة قابلة للأرشفة.

وبينما كان الجوع يقترب من الأبواب، كانت لغتكم السياسية أقل قدرةً على إطعام طفلٍ أو تضميد خوف .

طابور من المناضلين والرتب السلمية عجزوا عن توفير رغيف ، أو تأمين شاحنة.

كنا نراكم في سماءنا غيث، لكنكم غدرتم بنا وغادرتم وتركتونا وحيدين أمام الموت والجوع والقصف .

وقف الدفاع مستميتًا، يحاول ترميم الصورة المتشققة.

*دفاع حركة حماس*

انتصب محامي الدفاع، وقال بنبرةٍ حادة:

"سيادة القاضية، لا يمكن محاكمة المقاومة خارج سياقها. نحن أمام احتلال لا يفهم سوى لغة القوة، وما ترونه من دمار ليس خيارًا بل كلفة مواجهةٍ فُرضت على شعبٍ يبحث عن كرامته. قد تُهدم الحجارة، لكن الشعوب التي تتنازل عن حقها تُهدم من الداخل."

*دفاع السلطة الفلسطينية*

تقدم محامي الطرف الآخر، ممسكًا بأوراقه الرسمية، وقال:

"التهمة مردودة. نحن نتحرك داخل واقعٍ سياسي خانق، ونحاول إبقاء ما تبقى قائمًا وسط حصارٍ مالي ودولي. قد تبدو خطواتنا بطيئة، لكنها محاولة لمنع السقوط الكامل، ولسنا صُنّاع هذه المأساة."

ساد صمتٌ غريب؛ حتى الريح التي كانت تعبث بالقماش الممزق للخيام بدت كأنها تؤجل شهادتها. نظرت القاضية إلى كفتي الميزان؛ كفّة قراراتٍ دفعت الناس إلى الحافة، وكفّة صمتٍ بدا أحيانًا أكثر قسوةً من الضجيج، وفي المنتصف طفولةٌ تقف حافيةً على أطراف الفقد.

رفعت المطرقة قليلًا، كأنها تستجمع ما تبقى من يقين.

وقبل أن تنطق، اقتحم وقار المحكمة طفلٌ لم يتجاوز الثامنة. ساقه اليمنى مبتورة من فوق الركبة، يتوكأ على عكازٍ نخره السوس، وفي يده حذاءٌ أبيض جديد.

رفع الحذاء نحو القاضية، وقال ببراءةٍ لا تحتملها المحاكم:

"يا خالتو، صوروني وأعطوني هذا البوت، بس إذا رجعت رجلي، بلحق ألعب فيه قبل ما يصير صغير؟"

في تلك اللحظة، تكسرت المرافعات فوق رؤوس أصحابها، وبدا الكلام كله أصغر من أن يفسّر وجعًا بهذا الحجم.

ارتجفت يد القاضية. نظرت طويلًا إلى الحذاء الأبيض، ثم إلى الوجوه المزدحمة بالحجج، وهمست بصوتٍ أثقل من الركام:

"رُفعت الجلسة…"

وبقي الحذاء الأبيض معلّقًا في يد الطفل… كعيدٍ وصل متأخرًا إلى قدمٍ لم تعد هناك.